HTML مخصص
04 Nov
04Nov


إذ طلب من الله أن يحفظهم من العالم الشرير أوضح أنه يوجد طريقان لحفظ أولاد الله من العالم.

الطريق الأول أن يأخذهم من العالم بموتٍ مفاجئٍ سريعٍ ليعبروا إلى عالم أفضل. هذا ما اشتهاه بعض رجال الله عندما ضاق بهم الأمر؛ مثل أيوب وإيليا ويونان وموسى، حين اشتدت بهم الضيقات والتجارب. لكن السيد المسيح لم يطلب هذا الطريق لتلاميذه، لأنه جاء إلى العالم ليقدم لمؤمنيه حياة النصرة خلال حمل الصليب، 

لا أن يهربوا من العالم. ولأن السيد جاء إلى العالم ليخدم البشرية، فصار العالم غير مستحقٍ للمؤمنين (عب 11: 38).


إن كان العالم بشره صار مظلمًا، فقد جاء الرب يسوع نورًا للعالم يغلب الشر والظلمة، وأقام من تلاميذه كواكب منيرة تضيء في العالم. محبة السيد لمؤمنيه لم تدفعه لسحبهم فورًا من العالم المظلم، وإنما لتقديسهم ليضيئوا في العالم، لهم روح النصرة. لقد اشتهى إرميا النبي أن يهرب إلى البرية (إر 9: 2)، لكن مسيحنا يعمل بالكل،وكما يقول بولس الرسول: "وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قوَّاني أنه حسبني أمينًا إذ جعلني للخدمة" (2 تي 1: 12). وكتب القديس بطرس: "فإذا الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالقٍ أمينٍ في عمل الخير" (1 بط 4: 19).فلا يستطيع حتى الراهب المتوحد أن يهرب من شعوره بالالتزام بالعمل بوسيلة أو أخرى من أجل تقديس العالم. لم يطلب الابن من الآب أن يرسل مركبات نارية تحمل تلاميذه إلى السماء ليخرجهم من وجه العالم الشرير.

والطريق الآخرأن يهبهم روح القوة والنصرة على شر العالم، هذا ما طلبه السيد لتلاميذه، وهو حفظهم من الفساد الذي حلَّ بالعالم، وذلك أن يعهد بهم في حضن الآب، فلا يقترب إليهم الشرير. إنه لم يطلب حفظهم بإزالة التجارب والضيقات من طريقهم، وإنما لينعموا بالنصرة في صراعهم ضد الشر، وشهادتهم لإمكانيات النعمة الغنية العاملة فيهم.

*     ماذا يقول المسيح للآب....؟ "احفظهم من الشرير"، يعني من الشر الأخلاقي، من الرذيلة، وضعف القلب.

*     لا يتكلم لأجل خلاصهم من التجارب فحسب، بل أيضًا من أجل استمرارية إيمانهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

*     من المهم وجودهم في العالم، وإن كانوا لم يعودوا بعد ينتسبون إليه(1729).

القديس أغسطينوس


"ليسوا من العالم،

كما إني أنا لست من العالم". [16]

يطالب بحفظهم لأنهم تشبهوا به، إذ صاروا كمسيحهم ليسوا من العالم، لا تشغلهم ملذات العالم، ولا يرتبكوا لأتعابه، لأن خدمتهم لمسيحهم تبتلع أفكارهم، وتملأ قلوبهم.

*     فإن قلت: وما معني قول السيد المسيح أن تلاميذه: "ليسوا من العالم"؟ أجبتك: إنهم ينظرون إلى عالم آخر، وليس فيهم شيء من الأرض، لكنهم قد صاروا كمواطني السماوات. بهذه الأقوال أظهر السيد المسيح حبه لهم إذ مدحهم عند أبيه واستودعهم عنده.


القديس يوحنا الذهبي الفم


*     ربما يُسأل: إن كانوا لم يعودوا بعد من العالم، سواء وهم لم يتقدسوا بعد في الحق أو تقدسوا فعلًا، فكيف يطلب هكذا (ألاَّ يأخذهم من العالم)؟ أليس هذا لأن حتى هؤلاء الذين تقدسوا يلزم أن يستمروا لأجل نموهم في التقديس، أو في القداسة؛ وهذا لا يتم بغير نعمة الله، بتقديس نموهم كما قدسهم في البداية؟ من هنا يقول بولس عن نفس الأمر: "الذي ابتدأ فيكم عملًا صالحًا يكمل إلى يوم يسوع المسيح" (في 1: 6)


القديس أغسطينوس


"قدسهم في حقك، كلامك هو حق". [17]

ما معنى "قدسهم"؟ لا يقف عمل الله فيهم عند حفظهم منمن الشر والشرير، وإنما يمتد إلى العمل الإيجابي أن يسلكوا بالقداسة والصلاح وعمل البرّ، يطلب أن تلتهب قلوبهم بحب القداسة. تقديسهم أيضًا يحمل معنى النمو المستمر في الإيمان والالتهاب الدائم للقلب بروح الله.

أما وسيلة التقديس فهي "في حقك"، أي خلال كلمة الله. بالكلمة والصلاة يتقدس كل عمل كنسي كالأسرار المقدسة، وأيضا تتقدس النفس، ويتقدس خدام الله.

بالتقديس مارس الأنبياء عملهم مثل إرميا 1: 5؛ وأيضًا الكهنة واللاويين. هكذا بالتقديس يتأهل خدام العهد الجديد للعمل ويتكرسوا له (رو 1: 1). هنا يقوم السيد المسيح كرئيس الكهنة بتقديس الكهنة.



#كلمة حياة

/خادم كلمة الرب/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.