HTML مخصص
28 May
28May

أراد الانسان منذ القدم أن يحمي ذاته من المخاطر المحيطة به لوحده أو مع الجماعة التي ينتمي إليها ويدعمها وهي أيضاً.

لكن في معظم الاحيان ابتعد كثيراً عن جوهره ورسالته فأراد الصعود الى السماء لضمان الخلود لروحه وتحدي الخالق، كما حصل في مشهد بناء البرج في سفر التكوين، حين أتفق الناس فيما بينهم وقالوا:
«تَعَالُوا نَبْنِ لنا مَدِينَةً وَبُرْجا رَأسُهُ في السَّمَاءِ، وَنُقِم لنا ٱسْمًا كَيّ لا نَتَفَرّق عَلَى وَجْهِ الارْضِ كُلِّها»


لكن الله بلبل ألسنتهم وهم يتكلمون لغة واحدة فوقع البرج وسقط مشروع أولاد آدم.


أراد الانسان بناء برج يتحدّى فيه الخالق أو يقتل من خلاله الله فقتل ذاته والإنسان معه، وكل تجاربه عبر التاريخ بعيداً عن الله باءت بالفشل.


كل ذلك كان قبل عنصرة الروح القدس وبعدها، لم يتوقف عمل الروح لإنقاذ العالم ولم يتوقف عمل بنو آدم لهدم العالم.


أصبح العالم متخم بالانجازات البشرية المبهرة وأبراج الارض تعانق السماء وناطحات السحاب تسبح فوق الغيوم، لكنهم يصنعون السمّ والدواء، الحرب والسلم، البناء والدمار، الحياة والموت..
لدى الانسان إمكانيات هائلة على الحب والقدر ذاته على الكراهية، هو حرُّ يُحلق كالنسر وفي الوقت نفسه عبدٌ وضيع لغرائزه.


قبل العنصرة كان بطرس يخاف الجارية ليلة اعتقال يسوع، يتوعد أنه سيموت عن المعلم ويهرب عند أول امتحان، لكن بعد العنصرة وقف بكل جرأة أمام اليهود معلناً البشارة دون خوف أو تردد، مستعداً للموت في سبيل الملكوت، فكان العمل الاول للروح القدس هو إعلان بشرى الخلاص من قبل بطرس وبعده جميع الرسل بشجاعة لامتناهية.


أما الاعجوبة الثانية فهي لغة الروح أو لغة الحب، رغم اختلاف اللغات والبيئات والجنسيات، أصبح الجميع يفهمون لغة الحب ويتكلمون لغة الروح.


يفيض الله روحه على جميع البشر دون أي تمييز "ويَكُونُ في ٱلأَيَّامِ ٱلأَخِيرَة، يَقُولُ ٱلله، أَنِّي أُفِيضُ مِنْ رُوحِي عَلى كُلِّ بَشَر، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُم وبَنَاتُكُم، ويَرَى شُبَّانُكُم رُؤًى، ويَحْلُمُ شُيُوخُكُم أَحْلامًا" فيصنعون الخير ويبنون أبراج الحب وصروح السلام.يعمل الروح فينا بصمتٍ أكيد لكن تكون النتائج مدوية وخارقة لا بل هائلة.


يواجه انسان اليوم مشكلة كبيرة وهي كيفية الإصغاء لإلهامات الروح في ضجيج الشوارع والمعامل والمتاجر والتكنولوجيا.

لكنه لا زال يملك القدرة الكافية على الإصغاء والفهم والتمييز من خلال الاقتراب من حجر الزاوية المرذول من الناس وسيملك في قلبه وعقله المساعد والمعزي والمدافع عنه لمجد الله.


ما هو عمل الروح القدس؟ كيف نُصغي له؟ وما هي إنجازاته على المستوى الفردي والجماعي؟


يعالج الروح القدس مرض الكبرياء، فمنذ القديم أراد الانسان أن يبني مدينته الخاصة دون الله، أراد أن يصل الارض بالسماء بالأبراج العالية وهي ترمز إلى النفوس المنتفخة بذاتها المُصابة بداء مرض الأنانية «تَعَالُوا نَبْنِ لنا مَدِينَةً وَبُرْجا رَأسُهُ في السَّمَاءِ، وَنُقِم لنا ٱسْمًا كَيّ لا نَتَفَرّق عَلَى وَجْهِ الارْضِ كُلِّها» (سفر التكوين ١١) قاد ذلك إلى التشتت والانقسام لأن التكبّر يقود الانسان إلى الإعتراف بذاته فقط دون سواه.

أوّل عمل للروح القدس في النفس البشرية هو الشعور بالتواضع والأعتراف بالآخر ولو كان مختلفاً، وبناء برج يربط الارض بالسماء ليس كبرج بابل ولكن كبرج الصليب، الذي يربط الانسان بأخيه الانسان أولاً ومن ثم يربط الانسان بالله.

أولى إنجازات الروح القدس هي توحيد اللغة البشرية، طبعاً ليست لغة اللسان بل القلوب، فلغة الحب يفهمها جميع الناس "إنّ الرُّوح القدس، المحبّة الإلهية، يفهم ويجعل الآخرين يفهمون اللغات؛ هو يخلق الوحدة في التعدّد. هكذا، ومنذ يومها الأوّل، تتكلّم الكنيسة في اللغات كلّها"(جوزف راتزنغر)

أما الإصغاء للروح القدس فهو مسيرة طويلة تبدأ عند أقدام الصليب، هناك ينحني الانسان أمام عظمة الحبّ ويُفرغ ذاته من ذاته ليمتلء من الروح وينفتح على إلهاماته التي لا يتصورها عقل ولا تخطر على بال بشر (مفاجآت).

"هذه هي درب الكنيسة: لقاء، إصغاء، حوار وصلاة فقرار. هذه هي السينودسيّة في الكنيسة والتي من خلالها تظهر الشركة في الكنيسة.

ومن يصنع الشركة؟ الروح القدس مرّة أخرى! وماذا يطلب منا الرب؟ الطاعة للروح القدس؛ وماذا أيضًا؟ ألا نخاف عندما يدعونا الروح القدس".

(البابا فرنسيس)


نعم ألا نخاف عندما يدعونا الروح القدس لانه "يوقفنا أحيانًا، كما فعل مع بولس، ليرسلنا في طريق آخر؛ ولكنه لا يتركنا وحدنا بل يعطينا الشجاعة والصبر ويقودنا بأمان في درب يسوع"


"هلمَّ يا ضياء القلوب، أيها المعزي الجليل، يا ساكن القلوب العذب...أعط مؤمنيك المتكلين عليك المواهب السبع، إمنحهم ثواب الفضيلة، هب لهم غاية الخلاص، أعطهم السرور الأبدي." آميـــــــن

أحد مبارك


/الخوري كامل كامل/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.