HTML مخصص
21 May
21May

يكتسب الإنسان عضويته في الكنيسة من خلال سرّ العماد المقدّس، فيظهر إسمه في سجلات الرعية ويكتسب الأهلية الرسمية في ممارسة جميع الأسرار.


ربما يكون هذا الإنتماء خارجياً "مسيحي بالإسم" لا يتعدّى ممارسة بعض الطقوس أو جميعها دون جدوى أو أي تقدّم إنساني أو ترقي على المستوى الإيماني-الروحي.


"يربط الرسول بولس بين الإيمان بالرب يسوع والمحبة نحو جميع القديسين، فعضويتنا في المسيح لا تنفصل عن عضويتنا في الكنيسة، إيماننا بالرأس يجب أن يُترجم عمليًا بالحب لجميع القديسين.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذ يربط الإيمان بالمحبة، إنما يود تأكيد الإيمان الحيّ العامل حتى لا يكون إيمانًا ميتًا خلال عقمه..."(يوحنا الذهبي الفمّ)


يدعو الربّ موسى (سفر الأحبار الفصل ١٩) أن يأمر جماعة بني إسرائيل ليكونوا "قديسين" لأن الرب هو "قدّوس" راسماً لهم خارطة طريق عمليّة ترشدهم في حياتهم اليومية نحو القداسة. تلك الخارطة مهّدت الطريق نحو الشريعة (الناموس) التي أكملها يسوع وختمها بدمه على الصليب.


نحن بحاجة ماسّة إلى معرفة تلك الخريطة ولو كانت قديمة. لنتواضع قليلاً ونعترف أننا بحاجة إلى تذكير أنفسنا وتنبيه ضمائرنا بالبدائيات لا بل البديهيات السلوكية-الآدمية قبل التفكير في عيش الوصية الجديدة الأقوى والأرقى والأعلى "أحبّوا بعضكم ... كما أنا أحببتكم"

من ينتمي إلى المسيح لا يسرق ولا يكذب ولا يخدع أحد ولا يظلم أحد.. لم يضطر بولس إلى تذكير رعيته بتلك البديهيات بل هنّأهم على مسيرتهم الروحية لأنه سمع بإيمانهم ومحبّتهم لجميع الأخوة.


تمّموا الوصية القديمة منذ الطفوله وبلغوا الوصية الجديدة بعد المعمودية.


لذلك أعلن بولس بفرح عن كامل رضاه حول مسيرة أبناء رعيته شاكراً الله على ما بلغوه كاشفاً لهم عن موضوع صلاته من أجلهم. (علّنا نتعلم منه ماذا نطلب في صلاتنا)

يطلب بولس من الرب لأبناء رعيته أن يمنحهم "رُوحَ ٱلحِكْمَةِ والوَحْيِ في مَعْرِفَتِهم لَهُ، فَيُنِيرَ عُيُونَ قُلُوبِهم، لِيعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، ومَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيراثِهِ في القِدِّيسِين"..


قلنا أن المؤمن يكتسب عضويته في الكنيسة من خلال المعمودية وتسمى المعمودية "سرّ الاستنارة" فالرب يمنحنا من خلالها نعمة الروح القدس الذي يُنير بصيرتنا ونعلم رجاء دعوته وغنى مجد ميراثه في القديسين.


تأكّد بولس أن أبناء رعيته تمّموا الناموس وترقّوا في مسيرتهم الايمانية لعيش مفاعيل المعمودية، فهم يُدركون حقائق ثلاث (علّنا نتعلم منهم وندرك مثلهم) كما أوردها القديس أغسطينوس:



أ. نعلم ما هو رجاء دعوته، فإننا إذ ندخل إلى العضوية في جسد المسيح بالمعمودية نعلم -بالخبرة الحية- دعوته لنا لنكون أبناء الآب وورثة مع المسيح فيمتلئ قلبنا رجاءً فيه.


ب. غنى مجد ميراثه في القديسين. بالمعمودية ننعم بعربون الميراث الأبدي المُعد للقديسين، من خلاله نختبر الغنى الأبدي غير المنطوق به.


ج. عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل قدرته الفائقة. إذ بالمعمودية يقيمنا كما من الموت، ويهبنا البنوة لله واهب الحياة ...

ماذا لو تغيّر موضوع صلاتنا وأصبح ما تطلبه قلوبنا من الرب هو "الاستنارة" التي هي المعمودية، هي معينة الضعفاء، مساهمة النور، انتفاض الظلمة، مركب يسير تجاه الله، بلوغ ملء قامة المسيح، أُساس الدين، تمام العقل! مفتاح الملكوت واستعادة الحياة...نحن ندعوها عطية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود وعدم الفساد، الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم في عينيّ الربّ (القديس أغسطينوس)

كيف لنا أن نتمم الوصية الجديدة "أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم" ونحن لا زلنا نجالس البدائيات؟ نتصارع مع السرقة نغلبها حيناً وتغلبنا في أكثر الأحيان ومن ثمّ نبررها بتعابير حديثة مثل التجارة والشطارة لكنها تبقى فجّة كما هي جامدة كالكذب نتنة كالنميمة بغيضة كاللعنة قاتلة كالظلم... فإذا كنّا نتعثّر بالناموس كيف نحلّق بالمحبّة؟ وإذا كنّا "نغصّ" بحروف الشريعة كيف نعيش الإيمان؟

يقول البعض "نحن منهم" تلك الوصية الجديدة ليست لنا هي للقديسين لأنه لا قدرة لنا على تحمّلها.. تلك المقولة تُجرّدنا من هويّتنا لا بل من طبيعتنا وجوهر وجودنا "كُونُوا قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أنا الرَّبُّ إِلهُكُمْ قُدُّوس" فكلُّ قديس هو مسيحي وليس كل مسيحي هو قديس.


ليس كل من لا يسرق هو قديس وليس كل من لا يكذب أو يظلم هو قدّيس لكن كل من يعيش المحبّة هو قديس.

لا شكّ أن المحبة هي الأعظم والأصعب خصوصا محبة الاعداء أو الذين لا يستأهلون المحبة أو لا يُطاقون ولا نملك القدرة ولا الطاقة على تحمّلهم.. إذا كنّا نعلم ضعفنا وندرك محدوديتنا فلنطلب بصلاتنا من الرب كما طلب بولس لأبناء رعيته في أفسس أن يمنحنا "رُوحَ ٱلحِكْمَةِ والوَحْيِ في مَعْرِفَتِنا لَهُ، فَيُنِيرَ عُيُونَ قُلُوبِنا، لِنعلم مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، ومَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيراثِهِ في القِدِّيسِين" آميـــــــن.
أحد مبارك



/الخوري كامل كامل/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.