08 Jan
08Jan

هذه هي حقيقة الانسان كما أعلنها أشعيا "كُلُّ بَشَرٍ عُشبٌ وَكُلُّ جَمَالِهِ كَزَهْرِ الْبَرِّية"(أشعيا ٤٠/ ٦) هي حقيقة فجّة وصريحة، لكنها واقعية وحتمية.


العشب ينبت في الصباح وييبس في المساء، وزهر البرية الذي يتغاوى جمالاً، يتهاوى سريعاً مع نسيم النهار وليس بالضرورة مع عاصفة رياح "الْعُشْبُ يَيْبَس وزَهْرُه يَذْوي، وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلَهِنَا فَتَبْقى للأَبَد"(أشعيا ٤٠/ ٨).


تلخّص هذه الآية معضلة الوجود: الأبدية والفناء - الموت والحياة، أبدية الله وفناء الانسان.

طبعاً كلمة الله أبدية لكنها تجسّدت وصارت إنسان، كما يقول يوحنا في بداية الانجيل الرابع "الكلمة صار جسدا و حل بيننا"(يوحنا ١/ ١٤) فإذا كان العشب ييبس وزهره يذوي فكلمة الله لا تموت.


في القداس الماروني ننشد: قدّوسٌ الله قدّوسٌ القوي قدّوسٌ الذي لا يموت.. إرحمنا.

نطلب الرحمة من الذي لا يموت، أن يزرع في جسدنا المائت بذور الحياة، فيتوحد "لاهوته بناسوتنا وناسوتنا بلاهوته، حياته بموتنا وموتنا بحياته"(القداس الماروني).


الكلمة كالشمس تخرج من ذاتها وتستقر في القلوب الدافئة والمتواضعة، وهي في خروج دائم لا يتوقف.

قد يظنّ البعض أن هذا الخروج في مكان ما يعبّر عن هوانٍ وضعفٍ، كما يظنّون أن الحب والوداعة صفات النفوس الذليلة.


خرجت هذه التهمة الى العلن في كنيسة قورنتوس، ردّدها بولس وردّ عليها. «رَسَائِلُهُ شَدِيدَةُ اللَّهْجَةِ وقَوِيَّة، أَمَّا حُضُورُهُ الشَّخْصِيُّ فَهَزِيل، وكَلامُهُ سَخِيف!» ربما لم يهتم بولس بمظهره الخارجي ولم يلبس ثياباً حبرية، لكن العالم ينظر الى الثياب أكثر من النظر الى العقول، ينظر الى القشور أكثر من الجوهر، يهتم بالشارات والرايات أكثر من المضمون، فبدى لهم في حضوره هزيلاً وجباناً وخائفاً لأن مظهره يوحي بالوداعة والهدوء وهو ضعيف الجسد كما يقول عنه القديس يوحنا الذهبي الفم وقصير القامة..

إستغلّ خصوم بولس ضعفه الجسدي فساقوا بحقه إتهامات لاذعة: يقول ولا يفعل "شاطر بالحكي" جبانٌ حين يحضر بينهم وجريء في رسائله حين يكون بعيداً عنهم.


هل يملك بولس إزدواجية في شخصيته؟ لماذا لا يكون جريئاً في حضوره كما في رسائله؟ لماذا لم يبهرهم في كلامه المباشر كما في كتاباته؟

اللافت أن بولس لم يخجل من التهمة ولم ينكرها ولم يبررها بل اعترف بها، لكنه رفض بشدة تفسير خصومه لها "أَنَا بُولُسُ نَفْسي أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا المُتَواضِعُ بَيْنَكُم عِنْدَمَا أَكُونُ حَاضِرًا، والجَريءُ عَلَيْكُم عِنْدَما أَكُونُ غَائِبًا".


بولس ينظر الى المسيح الوديع والمتواضع "هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم"(يوحنا ١/ ٢٩) الذي ينحدر كنور الشمس لينير السالكين في الظلمة ويعطي الدفء للقلوب اليابسة المتجمدة، فإذا كانت الوداعة في مقاييس الخصوم تبدو ضعفاً والتواضع نقصاً لا بأس بذلك. هم يقيسون أنفسهم بأنفسهم فيتكبرون وهو يقيس نفسه بيسوع فيزداد تواضعاً.


المشكلة ليست في بولس بل في المقياس!! لا يوزن الذهب بميزان "الفحم" أو "التبن"وإلا ضاعت قيمته بضياع المقياس والمعيار.


هم يسلكون حسب معايير الجسد ويستعملون أسلحة الجسد وما فيها من إغراءات تحاكي الغرائز وتبهر الحواس لكنها فارغة "قنابل صوتية" كعشب الحقل وزهر البرية..
بولس يعيش في الجسد ولا يستعمل أسلحته "لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِٱللهِ عَلى هَدْمِ الحُصُونِ المَنِيعَة" تسلّح بولس بوداعة المسيح فبدى لخصومه ضعيفاً، أما الحقيقة فغير ذلك تماماً لأن المعركة ليست مع بشر بل مع سلاطين هذا العالم وشياطينه وهذا "النوع من الشياطين لا يخرج إلا بالصوم والصلاة" فإذا كانت الخطيئة متجذرة ومحصنة في نفوسنا، بالصوم والصلاة نستطيع هدّ أسوارها وهدم حصونها المنيعة.
لا تمنع وداعة الرسول الحقيقي من المواجهة والجرأة واستعماله الأسلحة الروحية لا يعني الخنوع والخضوع لأفكار البشر، لا يمكن للطبيب أن يكون قاسياً في حضوره وكلامه مع المريض لكنه جريئاً على المرض يحمل السكين بيده ويقص الأورام الخبيثة لئلا تفسد باقي أعضاء الجسم "فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الخَاطِئَة،وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ ٱلله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ المَسِيح".

الافكار الخاطئة كثيرة جدا في هذه الايام كما في كل الايام وتقود حتماً الى فقدان الانسان إنسانيته وتعطّل مسيرته نحو الكمال..

الافكار الخاطئة أشعلت الحروب، وراء كل حرب منظّرين عداوات وعصبيات وأنانيات وكراهيات تنتهي في حفر الخنادق والقبور..الافكار الخاطئة سببت الجرائم التي حصلت منذ قايين وهابيل، وراء كل جريمة عقول تمجّد الانا والكبرياء والطمع والجشع والحسد..

الافكار الخاطئة كانت نتيجتها التفكك العائلي وتشرّد الاطفال والاتجار بالبشر وانتهاك حقوق الطفل والمرأة والمسنين وقتل الأجنّة ونحر السعادة وتكفينها بالكرامة..

لا يتهاون الرسول الحقيقي في محاربة تلك الافكار، يواجه باللحم الحي كما فعل بولس، يتحمل الشدائد والاضطهاد والازدراء، يخوض معركة الانسان بأسلحة الروح القدس وفي النهاية يربح المعركة "ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ المَسِيح" لمجد الله وخير النفوس التي يتجدد شبابها كالنسور وتزهر في كل الفصول..


أحد مبارك


/الخوري كامل كامل/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.