17 Dec
17Dec

في تلك الأيام تقوم الوالدة باختيار صبية لابنها من بين أقارب زوجها حصراً فالزواج يكون داخل العشيرة (Endogamie) للحفاظ على تماسك العائلة والارث.


فالزواج حسب الشريعة اليهودية كان يتمّ على ثلاثة مراحل:


• الوعد بالزواج شفهياً في سن مبكرة، أحياناً في سن الطفولة، وهو إتفاق بين عائلتي الفتاة والصبي دون مفاعيل قانونية.


• الخطوبة: وهي الاعلان الرسمي للزواج فتصبح المخطوبة في حُكم المتزوجة، غير أنها تلازم بيت والدها، ولا تختلي مع خطيبها، " الرَّجُلُ الَّذِي خَطَبَ امْرَأَةً وَلَمْ يَأْخُذْهَا" (تث 20: 7).


لو فُسخت الخطبة لأي سبب، على الخطيب أن يكتب لخطيبته كتاب طلاق، وتحتسب كمُطلَقة، وأيضًا إذا مات خطيبها تُحتَسب أرملة، فالخطيبة هيَ امرأة جالخطيب، والخطيب هو رجلها أو زوجها، ولهذا قال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم: " لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ" (مت 1: 20).



الزواج: حين تترك الفتاة المخطوبة بيت أبيها وتسكن مع زوجها تحت سقف واحد.


تلك كانت حالة يوسف خطيب مريم في المرحلة الثانية حين اكتشف قبل أن ينتقلا إلى المرحلة الثالثة وسكنا معاً أنها حُبلى من الروح القدس.

وبحسب الشريعة اليهودية يحق له أن يكتب لها كتاب طلاق والمسوّغ القانوني هو "الزنى" الذي عاقبته رجم مريم حتى الموت.

طبعاً موقف يوسف، ولو أنه رجلاً باراً، صعبٌ جداً يتأرجح بين الموت والحياة والخيارات أمامه ضيّقة وأحلاها مرّا.
إذا قرّر التشهير بها وفضح أمرها أنها حُبلى وهي في منزل والديها، تعتبر زانية وحُكمها جاهز قانوناً وشرعاً.

وإذا طلّقها علناً سَيُسأل حتماً عن السبب ويكون مجبراً على قول الحقيقة وبالتالي ستعامل بحكم الزانية وترجم حتى الموت.

اختار يوسف حلّا آخر ليحمي خطيبته ومولودها من الموت الحتمي "قَرَّرَ أَنْ يُطَلِّقَهَا سِرًّا" حتى إذا عرف الجميع بحبلها بعد أن يتخلى عنها خطيبها تكون الشبهة عليه وليست عليها والعار يتحمله يوسف وليست مريم لانه يكون هو من خالف الشريعة وليست هي، هو من اقتحم بيتها الوالدي ولم ينتظر حتى تنتقل الى منزله.

والفرق بين الطلاق العلني والطلاق السرّي أن الاول يقود إلى موت مريم أما الثاني فيقود إلى موت يوسف.

تحمّل يوسف المسؤولية واتخذ القرار بشجاعة، سينسحب من حياة مريم ويتركها سرا وحين يفتضح الامر سيقول الناس أنه الفاعل وإلا لو كان غير ذلك لطلّقها علنّاً.

البارّ فقط من يختار العار لنفسه عِوض غيره لا بل يختار الموت لنفسه لينقذ من يحب، أليس هذا هو الحب الاعظم وهو أن يبذل الانسان نفسه في سبيل أحبّائه.

حين أطرح هذه الاشكالية في دورات الاعداد للزواج ينتفض الخطيب ويقول كل شيء إلا هذا لن أستمر معها وسأقيم الدنيا وأقعدها على رأسها.

يُعذِر المجتمع ردّات الفعل تلك ويصفها بجرائم الشرف.
لكن الغريب أن الشرف يتمركز بالفتاة حصراً ولا يطال الذكور .

من هنا نفهم مدى شجاعة يوسف وحبّه الكبير لمريم.

يوسف البار اختار الصليب، علّق نفسه بدل مريم على خشبة العار.

قبِل الموت بإرادته كحبة الحنطة.

تواضع حتى الامّحاء، لا بل أفرغ ذاته من كل حقّ في اتهام مريم.

في تلك اللحظة يتدخل الله وتحصل الاعجوبة "يَا يُوسُفُ بنَ دَاوُد، لا تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ ٱمْرَأَتَكَ، فَٱلمَوْلُودُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس."

ينادي الملاك يوسف باسمه الشرعي فهو إبن داود الذي يأتي من صلبه المخلص.

يؤكد الملاك كل نبؤات العهد القديم.

يبدد الملاك خوف يوسف مخاطباً إياه كما إبراهيم وموسى وسائر الانبياء مؤكدا له أن يد الله ستكون معه وترافق مسيرته.

يؤكد الملاك شرعية زواج يوسف الذي لم يصل المرحلة الثالثة ولم يُعلن عنه سابقاً.

يُطمئنه أن مريم وفية له لم تخرج عن وعد الأمانة ولم تسلّم نفسها لرجل آخر بل سلّمت نفسها للرب.

كل ذلك حصل ليوسف وحده لأنه الشخص الوحيد المعني بالأمر.

دخل الملاك عليه وهو في بيته نائما.

دخل إلى قدس أقداسه كما فعل مع زكريا.

لكن إيمان يوسف حاضراً قبِل البشارة "وسَوْفَ تَلِدُ ٱبْنًا، فَسَمِّهِ يَسُوع، لأَنَّهُ هُوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم" وقام من النوم كمن يقوم من الموت فصنع كما أمره ملاك الرب دون أي تردد أو أي سؤال.

تمّ زواج يوسف ومريم حين ذهب إلى منزل ذويها وأخذها إلى منزله.

ستكون في حمايته مع طفلها الجنين.

لكنه خالف شريعة الزوجين بإرادته محترماً إرادتها، لم يعرفها فحافظ عليها بتولاً لتكون فقط بكليتها وهو معها للرب.

قبِل مشروعها وهو أن تحمل يسوع المخلص إلى العالم فحمل معها يسوع أيضاً إلى العالم حين أعترف به إبناً شرعياً وأسماه يسوع أي الله يُخلّص.

تجرّع يوسف كأس الصليب باكراً إذ حمل مريم من بيتها إلى بيته ومن بيته إلى بيت لحم ومن ثم إلى مصر وبعد ذلك إلى الناصرة ليحمي يسوع من هيرودس.

ومن ثم عمل بجدٍ لتكون ليسوع ومريم فرص العيش الكريم.

لم يجلس يوسف في زاوية البيت بل كان في قلب الحدث مربيا ليسوع ومرافقا لمريم حتى نال ما أراد أن تكون عائلته الاكثر شهرة في العالم والأكثر قداسة في التاريخ.

ليس من السهل أن من كان ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (لوقا ٢/ ٥٢) وكان ينمو تحت ناظري يوسف وفي منزله هو يسوع الناصري إبن الله مخلص العالم "ويُدْعَى ٱسْمُهُ عِمَّانُوئِيل، أَي ٱللهُ مَعَنَا".


إجعلنا، أيّها القدّيس يوسف، أن نحيا حياة نقيّة بارّة، مضمونة دائمًا بشفاعة مريم البتول وحماية ابنها الوحيد يسوع المسيح. آميـــــــن.


أحد مبارك



/الخوري كامل كامل/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.