27 Sep
27Sep

يصل ديك المسكين إلى لندن ولا يملك سوى الأمل، وقد يغير البنس الذي ينفقه على قطة حظه ومصيره.





تفاصيل القصَّة :


في عهد الملك الشهير إدوارد الثالث، كان هناك صبي صغير يُدعى ديك ويتنغتون، توفي والداه عندما كان صغيراً جداً. 


ولأن ديك المسكين لم يكن كبيراً بما يكفي ليعمل، كانت حالته سيئة للغاية؛ فلم يكن يحصل إلا على القليل لغدائه، وأحياناً لا يحصل على شيء على الإطلاق لإفطاره؛ لأن الناس الذين عاشوا في القرية كانوا فقراء جداً بالفعل، ولم يكن بوسعهم أن يمنحوه أكثر من قشور البطاطس، وبين الحين والآخر كسرة خبز قاسية.


وكان ديك قد سمع أشياء كثيرة غريبة جداً عن المدينة العظيمة التي تُدعى لندن؛ فقد كان أهل الريف في ذلك الوقت يعتقدون أن جميع من في لندن هم من السادة والسيدات النبلاء؛ وأن الغناء والموسيقى يملآن المكان طوال اليوم؛ وأن الشوارع كلها مرصوفة بالذهب.



وفي أحد الأيام، مرت عربة كبيرة تجرها ثمانية خيول، تحمل جميعها أجراساً على رؤوسها، عبر القرية بينما كان ديك واقفاً بجوار لافتة الطريق. فكر أن هذه العربة لابد وأنها متجهة إلى مدينة لندن الجميلة؛ فاستجمع شجاعته، وطلب من سائق العربة أن يسمح له بالسير معه بجانب العربة.


وبمجرد أن سمع السائق أن ديك المسكين ليس له أب أو أم، ورأى من ملابسه الممزقة أنه لا يمكن أن يكون في حال أسوأ مما هو عليه، أخبره أنه يمكنه الذهاب إن أراد، فانطلقا معاً.


وهكذا وصل ديك سالماً إلى لندن، وكان في عجلة من أمره لرؤية الشوارع الجميلة المرصوفة بالكامل بالذهب، لدرجة أنه لم يبقَ حتى ليشكر سائق العربة الطيب؛ بل ركض بأسرع ما يمكن أن تحمله ساقاه، عبر العديد من الشوارع، وهو يظن في كل لحظة أنه سيصل إلى تلك الشوارع المرصوفة بالذهب؛ فقد رأى ديك عملة غينيا ثلاث مرات في قريته الصغيرة، وتذكر كمية المال التي جلبتها عند صرفها؛ لذا اعتقد أن كل ما عليه فعله هو التقاط بعض القطع الصغيرة من الرصيف، ليحصل بعد ذلك على ما يتمناه من مال.



ركض ديك المسكين حتى تعب، ونسي تماماً صديقه سائق العربة؛ ولكن في النهاية، عندما حل الظلام، ووجد أنه في كل اتجاه يلتفت إليه لا يرى سوى القذارة بدلاً من الذهب، جلس في زاوية مظلمة وبكى حتى غلبه النعاس.



قضى ديك الصغير الليل كله في الشوارع؛ وفي صباح اليوم التالي، ولأنه كان جائعاً جداً، نهض وسار في الأرجاء، وطلب من كل شخص يقابله أن يعطيه نصف بنس ليقيه من الجوع؛ لكن لم يتوقف أحد ليجيبه، ولم يعطه سوى شخصين أو ثلاثة نصف بنس؛ وسرعان ما أصبح الصبي المسكين ضعيفاً وواهناً تماماً لافتقاره إلى الطعام.



وفي هذه المحنة، طلب الإحسان من عدة أشخاص، فقال له أحدهم بغضب : 

"اذهب للعمل، أيها المتشرد الكسول".

فأجاب ديك :

"سأفعل ذلك، سأعمل لديك، إن سمحت لي".


لكن الرجل اكتفى بشتمه ومضى في طريقه.


وأخيراً، رأى رجل نبيل يبدو عليه الطيبة مدى الجوع البادي على وجهه.


فقال لديك :

"لماذا لا تذهب للعمل يا بني؟". 


أجاب ديك :

"أود ذلك، لكنني لا أعرف كيف أحصل على أي عمل".


فقال الرجل النبيل :


"إن كنت راغباً، تعال معي" 


وأخذه إلى حقل قش، حيث عمل ديك بنشاط، وعاش بمرح حتى تم جمع القش.



وبعد ذلك وجد نفسه في حالة سيئة كما كان من قبل؛ ولأنه كاد يتضور جوعاً مرة أخرى، استلقى عند باب السيد فيتزوارن، وهو تاجر ثري. 


وهناك سرعان ما رأته الطاهية، التي كانت مخلوقة سيئة الطباع، وصادف أنها كانت في تلك اللحظة مشغولة جداً بإعداد العشاء لسيدها وسيدتها؛ فصاحت في وجه ديك المسكين :


"ما شأنك هنا أيها المتشرد الكسول؟ لا يوجد هنا سوى المتسولين؛ إن لم تبتعد من هنا، فسنرى كيف سيعجبك أن تُغمر بماء غسيل الأطباق؛ لدي هنا ماء ساخن بما يكفي ليجعلك تقفز".



وفي تلك اللحظة بالذات، عاد السيد فيتزوارن نفسه إلى المنزل لتناول العشاء؛ وعندما رأى صبياً قذراً بملابس ممزقة ملقى عند الباب، قال له : 


"لماذا تستلقي هنا يا بني؟ تبدو كبيراً بما يكفي للعمل؛ أخشى أنك تميل إلى الكسل".



فقال له ديك :


"لا، في الواقع يا سيدي، ليس هذا هو الحال، فأنا أود العمل من كل قلبي، لكنني لا أعرف أحداً، وأعتقد أنني مريض جداً لافتقاري إلى الطعام".


"يا لك من مسكين، انهض؛ دعني أرى ما بك".


حاول ديك النهوض، لكنه اضطر إلى الاستلقاء مرة أخرى، لكونه أضعف من أن يقف، لأنه لم يتناول أي طعام لمدة ثلاثة أيام، ولم يعد قادراً على الركض والتسول للحصول على نصف بنس من الناس في الشارع.


فأمر التاجر الطيب بإدخاله إلى المنزل، وإعطائه عشاءً جيداً، والاحتفاظ به للقيام بما يستطيع من عمل لمساعدة الطاهية.


كان ديك الصغير ليعيش سعيداً جداً في هذه العائلة الطيبة لولا الطاهية سيئة الطباع. فقد اعتادت أن تقول : 


"أنت تعمل تحت إمرتي، لذا كن يقظاً؛ نظف السيخ ومقلاة الشواء، وأشعل النيران، وقم بتدوير رافعة الشواء، وأنجز كل أعمال غسل الأطباق بخفة، وإلا—" 

وكانت تلوح بالمغرفة في وجهه.


وعلاوة على ذلك، كانت مولعة جداً بالضرب، لدرجة أنها عندما لم تجد لحماً لتضربه، كانت تضرب رأس ديك المسكين وكتفيه بمكنسة، أو بأي شيء آخر يقع في طريقها.


وأخيراً، وصل خبر سوء معاملتها له إلى أليس، ابنة السيد فيتزوارن، التي أخبرت الطاهية أنها ستُطرد إن لم تعامله بلطف أكبر.



تحسن سلوك الطاهية قليلاً الآن؛ ولكن إلى جانب ذلك، كان على ديك التغلب على مشقة أخرى.


كان سريره في علية، حيث كان هناك الكثير من الثقوب في الأرضية والجدران لدرجة أنه كان يتعرض كل ليلة لتعذيب الجرذان والفئران. 


ولأن رجلاً نبيلاً أعطى ديك بنساً واحداً مقابل تلميع حذائه، فكر في شراء قطة به. 


وفي اليوم التالي، رأى فتاة تحمل قطة، فسألها :


"هل تسمحين لي بأخذ هذه القطة مقابل بنس واحد؟" 


فقالت الفتاة :


"نعم، سأفعل ذلك يا سيدي، رغم أنها صائدة فئران ممتازة".


أخفى ديك قطته في العلية، وكان يحرص دائماً على حمل جزء من غدائه إليها؛ وفي وقت قصير لم يعد يعاني من أي متاعب مع الجرذان والفئران، بل أصبح ينام بعمق كل ليلة.



وبعد فترة وجيزة، كان لدى سيده سفينة جاهزة للإبحار؛ ولأنه كان من العرف أن يحظى جميع خدمه بفرصة لتحقيق ثروة جيدة مثله تماماً، فقد استدعاهم جميعاً إلى غرفة الجلوس وسألهم عما يودون إرساله.



كان لديهم جميعاً شيء يرغبون في المخاطرة به باستثناء ديك المسكين، الذي لم يكن يملك مالاً ولا بضائع، وبالتالي لم يكن بإمكانه إرسال شيء.


ولهذا السبب لم يدخل غرفة الجلوس مع البقية؛ لكن الآنسة أليس خمنت الأمر، وأمرت باستدعائه.


ثم قالت :


"سأضع بعض المال من أجله، من محفظتي الخاصة"


لكن والدها قال لها :


"هذا لن يجدي نفعاً، إذ يجب أن يكون شيئاً يملكه هو".


وعندما سمع ديك المسكين هذا، قال :


"لا أملك سوى قطة اشتريتها ببنس واحد منذ بعض الوقت من فتاة صغيرة".


فقال السيد فيتزوارن : 


"أحضر قطتك إذن يا بني، ودعها تذهب".


صعد ديك إلى الطابق العلوي وأحضر القطة المسكينة، والدموع في عينيه، وسلمها للقبطان؛ وقال :


"لأنني الآن سأبقى مستيقظاً طوال الليل بسبب الجرذان والفئران".


ضحك جميع الحاضرين من مخاطرة ديك الغريبة؛ وأعطته الآنسة أليس، التي شعرت بالشفقة عليه، بعض المال ليشتري قطة أخرى.



هذا، والعديد من علامات اللطف الأخرى التي أظهرتها له الآنسة أليس، جعلت الطاهية سيئة الطباع تغار من ديك المسكين، وبدأت تعامله بقسوة أكثر من أي وقت مضى، وكانت دائماً تسخر منه لإرساله قطته إلى البحر.



كانت تسأله :


"هل تعتقد أن قطتك ستُباع بمال يكفي لشراء عصا لأضربك بها؟"


وفي النهاية، لم يعد ديك المسكين قادراً على تحمل هذه المعاملة، وفكر في الهرب من مكانه؛ فحزم أشياءه القليلة، وانطلق في وقت مبكر جداً من الصباح، في عيد جميع القديسين، الأول من نوفمبر.


سار حتى وصل إلى هولواي؛ وهناك جلس على حجر، لا يزال يُسمى حتى يومنا هذا "حجر ويتنغتون"، وبدأ يفكر في نفسه أي طريق يجب أن يسلك.


وبينما كان يفكر فيما يجب عليه فعله، بدأت أجراس كنيسة بو، التي كانت ستة فقط في ذلك الوقت، تقرع، وبدا وكأن صوتها يقول له :



"عُد أدراجك يا ويتنغتون،\ثلاث مرات اللورد عمدة لندن ستكون."


فقال لنفسه :


"اللورد عمدة لندن! حسناً، بالتأكيد، سأتحمل أي شيء تقريباً الآن، لأصبح اللورد عمدة لندن، وأركب في عربة جميلة، عندما أكبر وأصبح رجلاً! حسناً، سأعود، ولن أبالي بضرب وتوبيخ الطاهية العجوز، إذا كنت سأصبح اللورد عمدة لندن في النهاية".



عاد ديك، وكان محظوظاً بما يكفي ليدخل المنزل، ويبدأ عمله، قبل أن تنزل الطاهية العجوز إلى الطابق السفلي.



يجب علينا الآن أن نتتبع الآنسة قطة إلى ساحل إفريقيا. بقيت السفينة التي تحمل القطة على متنها وقتاً طويلاً في البحر؛ وفي النهاية دفعتها الرياح إلى جزء من ساحل بربرية، حيث كان السكان الوحيدون هم المور، غير المعروفين للإنجليز. جاء الناس بأعداد كبيرة لرؤية البحارة، لأن لونهم كان مختلفاً عنهم، وعاملوهم بلطف؛ وعندما أصبحوا أكثر تعارفاً، كانوا متحمسين جداً لشراء الأشياء الجميلة التي كانت السفينة محملة بها.


وعندما رأى القبطان ذلك، أرسل عينات من أفضل الأشياء التي لديه إلى ملك البلاد؛ الذي سُر بها كثيراً، لدرجة أنه استدعى القبطان إلى القصر. وهناك أُجلسوا، كما هي عادة البلاد، على سجاد فاخر مزين بالذهب والفضة. 


كان الملك والملكة جالسين في الطرف العلوي من الغرفة؛ وأُحضرت أطباق عديدة لتناول العشاء.


لم يمضِ وقت طويل على جلوسهم، حتى اندفعت أعداد هائلة من الجرذان والفئران، والتهمت كل اللحم في لحظة. 


تعجب القبطان من ذلك، وسأل عما إذا كانت هذه الآفات غير مزعجة.



فأجابوا :


"أوه نعم، مزعجة للغاية، والملك مستعد لإعطاء نصف كنزه ليتخلص منها، فهي لا تفسد عشاءه فحسب، كما ترى، بل تهاجمه في غرفته، وحتى في سريره، لدرجة أنه يضطر إلى وضع حراس يراقبونه أثناء نومه، خوفاً منها".


قفز القبطان فرحاً؛ فقد تذكر ويتنغتون المسكين وقطته، وأخبر الملك أن لديه مخلوقاً على متن السفينة سيقضي على كل هذه الآفات على الفور. قفز الملك عالياً من شدة الفرح الذي جلبه له هذا الخبر، لدرجة أن عمامته سقطت عن رأسه.


وقال :

"أحضر هذا المخلوق إليّ؛ فالآفات مروعة في البلاط، وإذا فعلت ما تقوله، فسأحمل سفينتك بالذهب والمجوهرات مقابلها".


انتهز القبطان، الذي كان يعرف عمله جيداً، هذه الفرصة ليعرض مزايا الآنسة قطة. 


فقال لجلالته :


"ليس من السهل التخلي عنها، لأنه بمجرد رحيلها، قد تدمر الجرذان والفئران البضائع الموجودة في السفينة—ولكن تلبية لرغبة جلالتك، سأحضرها".


فقالت الملكة :


"اركض، اركض! أنا نافدة الصبر لرؤية هذا المخلوق العزيز".


انطلق القبطان إلى السفينة، بينما تم تجهيز عشاء آخر. 


وضع القطة تحت ذراعه، ووصل إلى المكان في الوقت المناسب تماماً ليرى الطاولة مليئة بالجرذان.


عندما رأت القطة ذلك، لم تنتظر الأوامر، بل قفزت من ذراعي القبطان، وفي غضون دقائق قليلة طرحت تقريباً كل الجرذان والفئران ميتة عند قدميها.


أما البقية فقد هربت في رعب إلى جحورها.


كان الملك مفتوناً تماماً بالتخلص بسهولة من مثل هذه الآفات، وطلبت الملكة إحضار المخلوق الذي قدم لهم هذا الصنيع العظيم إليها، لكي تنظر إليها.


وعندها نادى القبطان : 


"بوسي، بوسي، بوسي!" 


فجاءت إليه.


ثم قدمها للملكة، التي تراجعت إلى الوراء، وكانت خائفة من لمس مخلوق أحدث مثل هذا الدمار بين الجرذان والفئران.


ومع ذلك، عندما ربت القبطان على القطة ونادى :


"بوسي، بوسي"


لمستها الملكة أيضاً وصاحت : 


"بوتي، بوتي"


لأنها لم تتعلم الإنجليزية.


ثم وضعها في حجر الملكة، حيث خرخرت ولعبت بيد جلالتها، ثم نامت وهي تخرخر.


وبعد أن رأى الملك مآثر السيدة قطة، وعلم أن صغارها سيكثرون في البلاد بأكملها، ويحافظون عليها خالية من الجرذان، ساوم القبطان على حمولة السفينة بالكامل، ثم أعطاه مقابل القطة عشرة أضعاف ما بلغه ثمن باقي الحمولة.


ثم ودع القبطان العائلة المالكة، وأبحر بريح مواتية متجهاً إلى إنجلترا، وبعد رحلة سعيدة وصل سالماً إلى لندن.


في أحد الأيام، وفي الصباح الباكر، كان السيد فيتزوارن قد وصل للتو إلى مكتب حساباته وجلس على مكتبه، ليحصي النقود، ويسوي أعمال اليوم، عندما سمع شخصاً يطرق الباب، طق، طق.


سأل السيد فيتزوارن :

"من هناك؟"


فأجاب الآخر :

"صديق؛ جئت لأحمل لك أخباراً سارة عن سفينتك يونيكورن".


نهض التاجر في عجلة من أمره لدرجة أنه نسي مرض النقرس الذي يعاني منه، وفتح الباب، فلم يرَ أمامه سوى القبطان والوكيل التجاري، ومعهما خزانة من المجوهرات، وبوليصة شحن؛ وعندما نظر إليها التاجر رفع عينيه وشكر السماء على إرسال مثل هذه الرحلة المزدهرة له.



ثم رووا قصة القطة، وعرضوا الهدية الثمينة التي أرسلها الملك والملكة مقابلها لديك المسكين.


وبمجرد أن سمع التاجر ذلك، نادى على خدمه :


"أدخلوه حالاً، وبشروه بما حقق من مقام؛\ ونادوه بالسيد ويتنغتون بكل احترام."


أظهر السيد فيتزوارن الآن أنه رجل صالح؛ فعندما قال بعض خدمه إن هذا الكنز العظيم أكثر من اللازم بالنسبة له، أجاب :


"معاذ الله أن أحرمه من قيمة بنس واحد، إنه ماله الخاص، وسيحصل عليه حتى آخر فارثنغ".


ثم أرسل في طلب ديك، الذي كان في ذلك الوقت ينظف الأواني للطاهية، وكان قذراً تماماً.

حاول أن يعتذر عن الدخول إلى مكتب الحسابات، قائلاً : 


"الغرفة مكنوسة، وحذائي قذر ومليء بالمسامير".


لكن التاجر أمره بالدخول.


أمر السيد فيتزوارن بوضع كرسي له، فبدأ يعتقد أنهم يسخرون منه، وفي الوقت نفسه قال لهم :


"لا تلعبوا الحيل مع صبي فقير وبسيط، بل دعوني أنزل مرة أخرى، من فضلكم، إلى عملي".


فقال التاجر :

"في الواقع، يا سيد ويتنغتون، نحن جميعاً جادون تماماً معك، وأنا أبتهج من كل قلبي بالأخبار التي جلبها لك هؤلاء السادة؛ فقد باع القبطان قطتك لملك بربرية، وجلب لك في المقابل ثروات تفوق ما أملكه في العالم بأسره؛ وأتمنى أن تستمتع بها طويلاً!"


ثم طلب السيد فيتزوارن من الرجال فتح الكنز العظيم الذي أحضروه معهم؛ وقال :

"ليس على السيد ويتنغتون سوى أن يضعه في مكان آمن".


بالكاد عرف ديك المسكين كيف يتصرف من شدة الفرح. 


وتوسل إلى سيده أن يأخذ من الكنز ما يشاء، لأنه يدين له بكل هذا بفضل لطفه.


فأجاب السيد فيتزوارن :

"لا، لا، هذا كله لك؛ وليس لدي أدنى شك في أنك ستستخدمه جيداً".


ثم طلب ديك من سيدته، وبعد ذلك من الآنسة أليس، قبول جزء من ثروته الجيدة؛ لكنهما رفضتا، وفي الوقت نفسه أخبرتاه أنهما تشعران بفرح عظيم لنجاحه الكبير.


لكن هذا الفتى المسكين كان طيب القلب جداً لدرجة أنه لم يستطع الاحتفاظ بكل شيء لنفسه؛ فقدم هدية للقبطان، والمساعد، وبقية خدم السيد فيتزوارن؛ وحتى للطاهية العجوز سيئة الطباع.


وبعد ذلك نصحه السيد فيتزوارن بإرسال طلب لخياط مناسب ليصنع له ملابس تليق برجل نبيل؛ وأخبره أنه مرحب به للعيش في منزله حتى يتمكن من توفير منزل أفضل لنفسه.


وعندما غُسل وجه ويتنغتون، وجُعد شعره، ووُضعت قبعته بميل، وارتدى بدلة أنيقة من الملابس، أصبح وسيماً ومهذباً مثل أي شاب يزور منزل السيد فيتزوارن؛ لدرجة أن الآنسة أليس، التي كانت ذات يوم لطيفة جداً معه، وفكرت فيه بشفقة، أصبحت الآن تنظر إليه باعتباره مناسباً ليكون حبيبها؛ ومما زاد من ذلك، بلا شك، أن ويتنغتون كان يفكر دائماً فيما يمكنه فعله لإرضائها، وكان يقدم لها أجمل الهدايا التي يمكن تخيلها.


وسرعان ما رأى السيد فيتزوارن حبهما لبعضهما البعض، واقترح أن يجمعهما في الزواج؛ ووافقا كلاهما على ذلك بسهولة.


وسرعان ما تم تحديد يوم الزفاف؛ ورافقهما إلى الكنيسة اللورد عمدة لندن، ومجلس المستشارين، والعمد، وعدد كبير من أغنى تجار لندن، الذين أقاموا لهم بعد ذلك وليمة فاخرة جداً.


يخبرنا التاريخ أن السيد ويتنغتون وزوجته عاشا في أبهة عظيمة، وكانا سعيدين جداً.

وأنجبا عدة أطفال.


وقد كان عمدة للندن، ثم اللورد عمدة لندن ثلاث مرات، وحصل على شرف الفروسية من هنري الخامس.


وقد استضاف هذا الملك وملكتَه على العشاء بعد غزوه لفرنسا بفخامة كبيرة، لدرجة أن الملك قال :

"لم يحظَ أمير قط برعية كهذا" 

وعندما سمع السير ريتشارد هذا، قال :

"ولم تحظَ رعية قط بأمير كهذا".


وظل تمثال السير ريتشارد ويتنغتون وهو يحمل قطته بين ذراعيه، والمنحوت في الحجر، يُرى حتى عام ١٧٨٠ فوق القنطرة لسجن نيوجيت القديم، الذي بناه للمجرمين.





العبرة :

لَمْ يَكُنْ دِيكْ يَمْلِكُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا، وَلَا مَنْ يَسْنُدُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ فِي بَدَايَةِ طَرِيقِهِ إِلَّا قَلْبًا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ، وَبَنْسًا وَاحِدًا اشْتَرَى بِهِ قِطَّةً.

وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ البَنْسُ فِي نَظَرِ الآخَرِينَ شَيْئًا صَغِيرًا لَا قِيمَةَ لَهُ، لَكِنَّ مَا يَبْدُو صَغِيرًا فِي أَيْدِيَنَا قَدْ يَصِيرُ، بِعِنَايَةِ اللهِ، سَبَبًا لِخَيْرٍ كَبِيرٍ.

وَهُنَا نَتَذَكَّرُ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ :

«اَلَّذِي كَانَ أَمِينًا فِي القَلِيلِ، أَمِينٌ أَيْضًا فِي الكَثِيرِ».


لَمْ يَكُنِ السِّرُّ فِي القِطَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي أَنَّ دِيكًا لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِفَقْرِهِ، وَلَمْ يَخْجَلْ مِنْ عَمَلٍ بَسِيطٍ، وَلَمْ يَتْرُكِ المَكَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لَهُ بِسُرْعَةٍ، بَلْ عَادَ وَاحْتَمَلَ وَاسْتَمَرَّ.


وَالأَجْمَلُ أَنَّ الثَّرَاءَ لَمْ يُفْسِدْ قَلْبَهُ.


عِنْدَمَا تَغَيَّرَتْ حَيَاتُهُ، لَمْ يَنْسَ مَنْ سَاعَدَهُ فِي أَيَّامِ فَقْرِهِ.


لَمْ يَنْتَقِمْ مِنَ الطَّاهِيَةِ الَّتِي أَسَاءَتْ إِلَيْهِ، بَلْ أَعْطَاهَا أَيْضًا. 


وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِدَعْوَةِ المَسِيحِ إِلَى المُحَبَّةِ وَالغُفْرَانِ، حَتَّى لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا.


فَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَنْتَظِرَ «قِطَّةً» تُغَيِّرُ حَيَاتَنَا، بَلْ أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا :


مَاذَا وَضَعَ اللهُ فِي يَدِي اليَوْمَ؟


رُبَّمَا هُوَ مَوْهِبَةٌ صَغِيرَةٌ، أَوْ عَمَلٌ بَسِيطٌ، أَوْ خِدْمَةٌ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، أَوْ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ، أَوْ قَدْرَةٌ عَلَى مُسَاعَدَةِ شَخْصٍ مُحْتَاجٍ.


لَا تَحْتَقِرْ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ.


فَقَدْ وَضَعَ يَسُوعُ أَمَامَنَا مَبْدَأً عَظِيمًا :


«كُلُّ مَنْ هُوَ أَمِينٌ فِي القَلِيلِ، يَكُونُ أَمِينًا فِي الكَثِيرِ».


وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تُذَكِّرُنَا القِصَّةُ أَلَّا نَرْبِطَ قِيمَةَ الإِنْسَانِ بِفَقْرِهِ أَوْ غِنَاهُ.


فَدِيكٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيمَتُهُ عِنْدَمَا أَصْبَحَ ثَرِيًّا؛ بَلْ ظَهَرَ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ أَمَانَةٍ وَطِيبَةٍ.


قَدْ لَا تَمْلِكُ اليَوْمَ إِلَّا «بَنْسًا وَاحِدًا»، وَلَكِنْ لَا تَحْتَقِرْهُ.


ضَعْهُ بِيَدِ اللهِ، وَاسْتَخْدِمْهُ بِأَمَانَةٍ، وَافْعَلْ بِهِ مَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الخَيْرِ.


فَاللهُ لَا يَطْلُبُ مِنَّا مَا لَيْسَ فِي أَيْدِينَا؛ بَلْ يَسْأَلُنَا أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ فِيمَا أَعْطَانَا.



وَلْتَكُنْ صَلَاتُنَا :

يَا رَبِّ، لَا أَحْتَقِرْ قَلِيلِي، وَلَا أَحْتَقِرْ عَمَلِي، وَلَا أَحْتَقِرْ نَفْسِي. 


عَلِّمْنِي أَنْ أَكُونَ أَمِينًا فِيمَا وَضَعْتَهُ فِي يَدِي، وَأَنْ أَسْتَخْدِمَ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَنِي لِخِدْمَتِكَ وَخَيْرِ إِخْوَتِي.


وَإِذَا أَعْطَيْتَنِي أَكْثَرَ، فَاحْفَظْ قَلْبِي مُتَوَاضِعًا، لِأَلَّا أَنْسَى أَيَّامَ القَلِيلِ، وَلَا أَنْسَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيَّ. آمــــــــــــين.



 فريق عمل خدّام الربّ ®

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.