08 Oct
08Oct

أسدٌ مغرور يحتقر القطط المنزلية... لكنه يثبت بأفعاله أنه يشبهها أكثر مما يعتقد! 


قصة ممتعة تدعو للتأمل في غرورنا وتناقضاتنا، مثالية لتعزيز الوعي الذاتي لدى الأطفال.





تفاصيل القصَّة :

كان الأسد المهيب يستريح تحت أشعة شمس الصباح، تغمره تلك السكينة الوقورة التي لا يملكها سوى من يتربعون على القمة.


كان يراقب محيطه بمزيج من اللامبالاة والتعالي، وكأن كل ما تقع عليه عيناه هو حتمًا دونه منزلة.


«القطط...» —فكر في نفسه مع زفرة خفيفة—.

«يا له من انحدار بائس لما كنا عليه.. مخلوقات أليفة، تحولت إلى كائنات لينة تلهث وراء أهوائها، وتعيش حياة مريحة بلا هدف.. لقد استبدلت كرامتها بوعاء ممتلئ بالطعام، وحريتها بيد تمسح على أعناقها كلما طلبت ذلك.. تتبختر في المنازل وكأنها تملكها، بينما هي في الواقع مجرد طغاة صغار اتكاليين، يمثلون دور الاستقلالية الزائفة التي تنهار بمجرد سماعهم صوت فتح علبة طعام...»


قاطع صوت خطوات أفكاره العميقة.


كان الحارس يقترب.


حدق فيه الأسد، محافظًا على نظرة تحمل تلك السلطة الفطرية التي يفرضها بلا أدنى جهد، وببطء مدروس بدقة، أسقط نفسه على جانبه، كاشفًا عن عنقه.


فهم الحارس الإشارة وبدأ يمسح له خلف أذنه.


أغمض الأسد عينيه نصف إغماضة، مسترخيًا تمامًا.


«هذا لا علاقة له بالأمر» —قال لنفسه—، «إنه مجرد تواصل عابر، وتبادل متوازن تمامًا للمنافع بين الفصائل.»


بعد فترة وجيزة، ظهرت كرة تتدحرج في الأرجاء.


راقبها الأسد بازدراء واضح، رغم أنه لم يشح بنظره عنها تمامًا.

تقدمت الكرة قليلًا، بحركة غير منتظمة، وبدون أي سبب واضح، جذبت انتباهه.


مد الأسد مخلبه ولمسها.


ثم فعل ذلك مرة أخرى.


ومرة ثالثة.


وجد نفسه يتابعها بتركيز شديد، حاسبًا كل حركة وكأن ما يفعله جزء من تدريب بدني معقد.


«ردود الفعل» —فكر قائلاً—، «هذا بوضوح تدريب لسرعة البديهة وردود الفعل. لا أكثر.»


عندما نهض، مر بجذع شجرة موضوع في زاوية الحظيرة. 


توقف، ونظر إليه للحظة، وبدون تفكير طويل، بدأ يخدشه بقوة، مستمتعًا بالاحتكاك الخشن ضد مخالبه.


«العناية الشخصية أمر ضروري» —برر لنفسه—، «أي حيوان مفترس يحترم نفسه يعرف ذلك.»


إستلقى مرة أخرى، ولكن هذه المرة على ظهره، متمددًا بالكامل، تاركًا أشعة الشمس تدفئ بطنه بينما كان يحرك أحد مخالبه بخفة، وكأنه يطالب بشيء لا يريد الاعتراف به.


«نحن كائنات مستقلة» —استأنف حديثه الداخلي—، «متوحشة، نعتمد على أنفسنا، وبعيدون كل البعد عن تلك الحاجة السخيفة للاهتمام المستمر.»


من الخارج، راقب أحد الحراس المشهد وعلق بصوت خافت لزميله، بينما كان الأسد لا يزال متمددًا، ينتظر لمسة حانية أخرى :


— «انظر إليه... إنهم في النهاية مجرد قطط كبيرة.»





العــــــــــبرة :


«مَنْ يَرَى عُيُوبَ غَيْرِهِ وَيَنْسَى نَفْسَهُ»


كَثِيرًا مَا نَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ الأَسَدِ.


نَنْظُرُ إِلَى الآخَرِينَ، فَنَرَى ضَعْفَهُمْ بِوُضُوحٍ، وَنُسَارِعُ إِلَى انْتِقَادِهِمْ، وَنَشْعُرُ أَنَّنَا أَفْضَلُ مِنْهُمْ.


وَرُبَّمَا نَسِيْنَا أَنَّ فِينَا نَحْنُ أَيْضًا ضَعْفًا نُحَاوِلُ أَنْ نُخْفِيَهُ عَنْ أَنْفُسِنَا وَعَنِ الآخَرِينَ.


الأَسَدُ فِي القِصَّةِ كَانَ يَحْتَقِرُ القِطَطَ لأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الرِّعَايَةِ وَالاهْتِمَامِ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ، مِنْ دُونِ أَنْ يَعْتَرِفَ، يَسْتَمْتِعُ بِاللَّمْسَةِ، وَيَلْعَبُ بِالكُرَةِ، وَيَخْدُشُ الشَّجَرَةَ، وَيَسْتَلْقِي فِي الشَّمْسِ... أَيْ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ أَشْيَاءَ يَنْتَقِدُ القِطَطَ عَلَيْهَا!وَهُنَا يَأْتِي سُؤَالٌ مُهِمٌّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا :


هَلْ نَنْتَقِدُ فِي الآخَرِينَ أَشْيَاءَ نَرْفُضُ أَنْ نَرَاهَا فِي أَنْفُسِنَا؟يَقُولُ يَسُوعُ :

«لِمَاذَا تَنْظُرُ إِلَى القَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟»
(مَتَّى ٧: ٣)


التَّوَاضُعُ لَا يَعْنِي أَنْ نَحْتَقِرَ أَنْفُسَنَا، بَلْ أَنْ نَرَاهَا بِصِدْقٍ أَمَامَ اللهِ.


فَبَدَلَ أَنْ أَقُولَ :

«أَنَا أَفْضَلُ مِنْهُ»،


أَقُولُ :
«يَا رَبُّ، أَرِنِي أَوَّلًا مَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّغْيِيرِ فِيَّ.»


وَبَدَلَ أَنْ أَفْرَحَ بِسَقْطَةِ غَيْرِي، أُصَلِّي لَهُ.

وَبَدَلَ أَنْ أُدِينَهُ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْحَمَهُ وَيَرْحَمَنِي.

وَبَدَلَ أَنْ أَبْنِي صُورَةً كَبِيرَةً عَنْ نَفْسِي، أَتْرُكُ اللهَ يُرِينِي مَنْ أَنَا حَقًّا.

فَالكِبْرِيَاءُ قَدْ يَجْعَلُنَا نَسْخَرُ مِنْ عُيُوبِ الآخَرِينَ، بَيْنَمَا نَحْنُ نُخْفِي العُيُوبَ نَفْسَهَا خَلْفَ قِنَاعٍ مِنَ الكِبْرِيَاءِ.

أَمَّا الإِنْسَانُ المُتَوَاضِعُ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ قِيمَتَهُ لَيْسَتْ فِي مُقَارَنَتِهِ بِالنَّاسِ، بَلْ فِي مَحَبَّةِ اللهِ لَهُ.

رُبَّمَا نَكُونُ أَحْيَانًا أُسُودًا فِي أَعْيُنِنَا، وَقِطَطًا فِي تَصَرُّفَاتِنَا... وَاللهُ وَحْدَهُ يَرَى الحَقِيقَةَ كُلَّهَا.


لِذَلِكَ، لِنَقُلْ كُلَّ يَوْمٍ :

«يَا رَبُّ، لَا تَدَعْنِي أَنْشَغِلُ بِعُيُوبِ الآخَرِينَ وَأَنْسَى نَفْسِي.. أَعْطِنِي قَلْبًا مُتَوَاضِعًا، وَعَيْنَيْنِ تَرَيَانِ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ تَدِينَ الآخَرِينَ.»

فَالتَّوَاضُعُ هُوَ أَنْ أَعْرِفَ حَقِيقَتِي أَمَامَ اللهِ، وَأَنْ أَتْرُكَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَنِي.


 فريق عمل خدّام الربّ ®

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.