بِهٰذَا ٱلْكَلَامِ أَعْلَنَ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ عِشْقَهُ لِلْمَسِيحِ، عِشْقًا تَجَاوَزَ ٱلْكَلِمَاتِ وَٱلْمَشَاعِرَ، فَصَارَتْ حَيَاتُهُ كُلُّهَا تَقْدِمَةً حَيَّةً لِلرَّبِّ. لَمْ يَعُدِ ٱلْمَسِيحُ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ، بَلْ صَارَ هُوَ ٱلْحَيَاةَ نَفْسَهَا.
وَبِهٰذَا تَمَّمَ وَصِيَّةَ ٱلرَّبِّ :
«تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ»
(لوقا ١٠: ٢٧).
هٰذَا هُوَ ٱلْعِشْقُ ٱلْإِلٰهِيُّ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُ ٱلْآبَاءُ ٱلْقِدِّيسُونَ، حَيْثُ يَتَدَرَّجُ ٱلْمُؤْمِنُ فِي ٱلنُّمُوِّ ٱلرُّوحِيِّ عَبْرَ ٱلْمَرَاحِلِ ٱلثَّلَاثِ :
ٱلتَّطَهُّرِ، فَٱلِٱسْتِنَارَةِ، فَٱلتَّأَلُّهِ.
فَٱلتَّطَهُّرُ هُوَ جِهَادُ ٱلْقَلْبِ لِيَتَحَرَّرَ مِنْ أَهْوَائِهِ، وَٱلِٱسْتِنَارَةُ هِيَ إِشْرَاقُ ٱلنِّعْمَةِ فِي ٱلْفِكْرِ وَٱلْبَصِيرَةِ، أَمَّا ٱلتَّأَلُّهُ فَهُوَ ٱتِّحَادُ ٱلْإِنْسَانِ بِٱللّٰهِ بِٱلنِّعْمَةِ، وَٱلشَّرِكَةُ فِي حَيَاتِهِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ.
لِذٰلِكَ يَأْتِي ٱلصَّوْمُ ٱلْحَقِيقِيُّ تَهْيِئَةً مُقَدَّسَةً لِهٰذَا ٱلطَّريقِ فَنَضْبِطُ شَهْوَةَ ٱلْبَطْنِ، وَٱللِّسَانِ، وَٱلْعَيْنِ، وَٱلْفِكْرِ، لَا كَغَايَةٍ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ كَوَسِيلَةٍ لِتَطْهِيرِ ٱلْقَلْبِ، لِيَصِيرَ هَيْكَلًا يَسْكُنُهُ ٱلنُّورُ غَيْرُ ٱلْمَخْلُوقِ.
وَهٰذَا عَمَلُ ٱلنِّعْمَةِ ٱلْفَائِقَةِ لِلطَّبِيعَةِ، ٱلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ ٱلْإِنْسَانُ أَنْ يُتِمَّهُ بِجُهْدِهِ ٱلشَّخْصِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ يَتِمُّ بِتَعَاوُنِ ٱلْإِرَادَةِ مَعَ ٱلنِّعْمَةِ.
فِي صَوْمِي أَتُوقُ إِلَى حُبِّكَ يَا رَبُّ، أَنْسَى ٱلْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، وَأُرَدِّدُ مَعَ عَرُوسِ ٱلنَّشِيدِ :
«ٱجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ… لِأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ ٱلْخَمْرِ»
(نَشِيد ١: ٢، ٤).
يَا مَسِيحِي، إِذَا كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ أَنْتَ، فَكُلُّ مَا عَدَاكَ زَائِلٌ، وَإِذَا كَانَ ٱلْمَوْتُ رِبْحًا فِيكَ، فَمَاذَا يَسْلُبُ مِنِّي ٱلرَّجَاءَ؟
ٱجْعَلْ صَوْمِي عِشْقًا، وَجِهَادِي شَوْقًا، وَقَلْبِي مَسْكَنًا لِنُورِكَ ٱلْأَبَدِيِّ.
/جيزل فرح طربيه/