قصَّة دافئة عن السنجابة سلمى التي تكتشف بذكائها ولطفها السبب الحقيقي وراء غضب البومة سهيلة.
حكاية تعلم الأطفال قيم التعاطف، الصبر، وبر الوالدين، وكيف يمكن للكلمة الطيبة أن تغير القلوب.
تفاصيل القصَّة :
في غابة هادئة وجميلة، عاشت سنجابة صغيرة تُدعى سلمى.
كانت سلمى تتمتع بذكاء حاد وهدوء عجيب، وكان جميع حيوانات الغابة يحبون ذلك المكان المليء بالسلام، إلا أن هناك مشكلة واحدة تجعل الجميع يشعر بالقلق: إنها سهيلة، البومة التي تبدو غاضبة طوال الوقت.
كانت سهيلة تتذمر لأتفه الأسباب، وتصرخ دون سبب واضح، وتدخل في جدال مع أي شخص يمر بالقرب من شجرتها العالية.
لكن سلمى، بخلاف الآخرين، كانت تشعر بفضول كبير تجاه سهيلة.
كانت تراقبها من بعيد، وتلاحظ كيف أن البومة، التي تعيش وحيدة ومنعزلة، تبدو وكأنها تحمل فوق كتفيها جبلاً من الهموم.
في أحد الأيام، وبينما كانت سلمى تتنزه شاردة الذهن بالقرب من شجرة سهيلة الضخمة، سمعت صرخة مدوية :
هيي أنتِ! انتبهي! أنتِ تدوسين على أزهار حديقتي!
كانت تلك صرخة البومة سهيلة الغاضبة.
ردت سلمى بأدب جم وصوت هادئ:
أنا آسفة جداً يا خالة سهيلة!
لم أنتبه للأزهار، أعتذر منكِ بشدة.
في اليوم التالي، أرادت سلمى أن تؤكد اعتذارها، فوضعت أمام باب بيت سهيلة قشرة جوز صغيرة حولتها إلى أصيص زرعت فيه زهرة برية جميلة وجدتها في المرج.
شيئاً فشيئاً، بدأت سلمى تقوم بمبادرات لطيفة تجاه سهيلة.
كلما بدت البومة غاضبة، كانت سلمى تمتص غضبها بهدوء وصدق، وتعتذر بلطف دون أن تدخل في شجار.
وفي ظهيرة يوم مشمس، وبينما كانت السناجب تلعب بمرح، طارت حبة البلوط التي كانوا يستخدمونها ككرة، وسقطت مباشرة داخل شرفة شجرة سهيلة.
تجمد الجميع في أماكنهم من الخوف.
همست السناجب الأخرى :
انسوا أمر تلك البلوطة، لا داعي للدخول في شجار مع سهيلة، إنها لا تطاق!
لكن سلمى قررت المحاولة.
إقتربت بعزم وطرق الباب برفق.
خرجت سهيلة وعيناها تطلقان الشرر، لكن ما إن رأت وجه سلمى البريء حتى لانَت ملامحها قليلاً.
قالت سلمى بصوت عذب:
أعتذر بشدة يا خالة سهيلة.
جئت لأستعيد بلوطتنا، وأنا مستعدة لإصلاح أي فوضى قد نكون تسببنا بها.
في تلك اللحظة، جاء صوت ضعيف ومتعب من داخل البيت:
من بالباب يا ابنتي؟
أجابت سهيلة بصوت حنون لم يسمعه أحد من قبل:
إنها سلمى يا أمي، السنجابة الصغيرة التي أهدتنا الزهرة الجميلة قبل أيام.
فهمت سلمى كل شيء في لحظة واحدة: لم تكن سهيلة غاضبة من الجميع بدافع الكراهية، بل كانت منهكة وقلقة لأنها ترعى والدتها المسنة والمريضة بمفردها.
سألت سلمى بلطف :
هل تسمحين لي أن أمر غداً لأؤنس والدتكِ قليلاً يا سهيلة؟
دهشت سهيلة من العرض، ووافقت بابتسامة خجولة وهي تعيد البلوطة لسلمى.
في اليوم التالي، جاءت سلمى تحمل باقة عطرة من زهور البابونج.
قضت وقتاً ممتعاً تتحدث مع والدة سهيلة، بينما استغلت البومة الفرصة لترتاح قليلاً وترتب عشها بهدوء.
بفضل تعاطف سلمى وصبرها، بدأت سهيلة تشعر بالراحة وأن هناك من يفهمها.
وبعد فترة قصيرة، قررت البومة الاستعانة بعصفور صغير ليساعدها في بعض المهام ويُفرح والدتها بتغريده العذب. ومنذ ذلك الحين، أصبح جو الغابة أكثر لطفاً وسعادة.
وهكذا تعلمنا القصة أن خلف غضب البعض، قد يختبئ تعب شديد أو قلق كبير. وبالقليل من الصبر والتعاطف، كما فعلت سلمى، يمكننا أن نجعل حياة الآخرين وحياتنا أجمل وأسعد.
العِــــــــــبرة :
لَيْسَ كُلُّ غَضَبٍ يَدُلُّ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ، فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ وَرَاءَ الْوُجُوهِ الْعَابِسَةِ أَلَمٌ خَفِيٌّ، أَوْ تَعَبٌ، أَوْ حِمْلٌ ثَقِيلٌ لَا يَرَاهُ النَّاسُ. لِذَلِكَ دَعَانَا الرَّبُّ يَسُوعُ أَلَّا نُدِينَ الآخَرِينَ، بَلْ أَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنَيِ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ.
لَقَدْ تَصَرَّفَتْ سَلْمَى بِحِكْمَةٍ وَوَدَاعَةٍ، فَلَمْ تُقَابِلِ الْغَضَبَ بِالْغَضَبِ، بَلْ قَابَلَتْهُ بِاللُّطْفِ وَالصَّبْرِ وَالْعَطَاءِ. وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِكَلِمَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّس :
«اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ.» (أمثال ١٥: ١).
كَمَا تُذَكِّرُنَا الْقِصَّةُ بِعَظَمَةِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِمَا، فَقَدْ كَانَتْ سُهَيْلَةُ تَبْذُلُ جُهْدَهَا فِي خِدْمَةِ وَالِدَتِهَا الْمُسِنَّةِ، وَإِنْ أَثْقَلَهَا ذَلِكَ بِالتَّعَب.
وَإِذْ مُدَّتْ إِلَيْهَا يَدُ الْمَحَبَّةِ، وَجَدَتْ مَنْ يُسَانِدُهَا وَيُخَفِّفُ عَنْهَا.
فَلْنَطْلُبْ مِنَ الرَّبِّ أَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِالرَّحْمَةِ، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا أَنْ نُحْسِنَ الظَّنَّ بِالآخَرِينَ، وَأَنْ نَخْدِمَ الْمُتْعَبِينَ بِمَحَبَّةٍ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالِابْتِسَامَةَ الصَّادِقَةَ، وَالْقَلْبَ الْمُتَعَاطِفَ، قَدْ تَكُونُ السَّبَبَ فِي شِفَاءِ نَفْسٍ مُتَأَلِّمَةٍ وَتَغْيِيرِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ.
«كُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ، مُتَسَامِحِينَ، كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ.»
(أفسس ٤: ٣٢)
فريق عمل خدّام الربّ ®