قصة ساحرة عن الطفل 'زياد' الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء، حتى يقوده فضوله إلى بئر غامض يعلمه أن حكمة الكبار هي الكنز الحقيقي.
حكاية مثالية لتعزيز قيم الاحترام والتواضع قبل النوم.
تفاصيل القصّة :
في قديم الزمان، وفي قرية صغيرة تضج بالحياة تُدعى "قرية الجَلَبة"، عاش صبي شقي اسمه زياد.
كان أهل القرية يلقبونه بـ "زياد المشاغب"، لأنه لم يمر يوم دون أن يُحدث فيه فوضى أو جلبة.
إذا نبهه الكبار ألا يلمس شيئاً، سارع زياد للمسه؛ وإذا حذروه من دخول مكان، تسلل إليه فوراً.
كان يعتقد في قرارة نفسه أن الكبار مملون ويبالغون في كل شيء، وأنه هو الأذكى والأعرف بكل شيء.
في أحد الأيام، وصل إلى القرية شيخ حكيم ووقور يُدعى الحكيم رزين.
كان ذا لحية بيضاء طويلة، يرتدي عباءة قرمزية اللون، ويمشي ببطء متكئاً على عصا خشبية منحنية.
كان الحكيم رزين يحمل معه كتاباً قديماً يتصفحه باستمرار، ويقال إنه يملك حلاً لكل مشكلة.
كان أهل "قرية الجَلَبة" يستمعون باهتمام لنصائح الحكيم رزين، كلهم إلا زياد، الذي كان يهمس لنفسه قائلاً :
"هذه مجرد خرافات!".
في ظهيرة يوم مشمس، سمع زياد الحكيمَ يحذر الناس من بئر قديم مهجور في أطراف القرية، يُعرف باسم "بئر الحكمة".
قال الحكيم بصوت هادئ :
"هذا البئر جاف منذ سنوات، ولا ينبغي لأحد الاقتراب منه.. فبرغم مظهره الهادئ، يخفي سراً لا يدركه إلا أصحاب الخبرة".
ضحك زياد ساخراً :
"هاه! قصة أخرى ليمنعونا من اللعب والمرح".
دفعه فضوله ورغبته في إثبات خطأ الكبار إلى التوجه نحو البئر.
وحين وصل، وجده بئراً عادياً تغطيه الطحالب وبعض الحجارة المتناثرة.
لم يبدُ عليه أي خطر.
قال متهكماً :
"كما توقعت، مجرد مبالغة أخرى".
ولكن، ما إن أطل برأسه ليرى ما بداخله، حتى سمع صوتاً رفيعاً يأتي من القاع :
— "بسست! يا زياد! أنا هنا في الأسفل!"
من شدة المفاجأة، انحنى زياد أكثر، فاختل توازنه وهوى إلى الأسفل... هووووب! سقط في البئر.
لكن بدلاً من الارتطام بالأرض، هبط بنعومة فوق وسائد من الريش في غرفة عجيبة مليئة بمرايا تلمع بألف لون ولون.
في وسط الغرفة، وقف كائن صغير ذو أذنين طويلتين وابتسامة ماكرة، يُدعى فلفول.
قال فلفول بضحكة خفيفة :
"أهلاً بك يا زياد! انتظرت طويلاً قدوم فتى ذكي مثلك".
صاح زياد خائفاً :
"أين أنا؟ أريد الخروج من هنا حالاً!"
رد فلفول :
"إهدأ يا بطل، الأمر بسيط.. عليك فقط حل ثلاثة ألغاز.. ألست تقول دائماً إن الكبار يبالغون وإنك تعرف أكثر منهم؟ هيا، أثبت لي ذلك".
قبل زياد التحدي وهو واثق من نفسه.
لكن كل لغز كان أصعب من سابقه.
وكلما حاول حلها بمفرده، ازداد حيرة وارتباكاً.
أخيراً، شعر زياد باليأس وتذكر كلمات الحكيم رزين.
أدرك حينها أن الكبار ربما كانوا على حق، وأن الخبرة لها قيمتها.
خفض رأسه وقال لفلفول بتواضع:
— "هل يمكنني طلب المساعدة؟"
إبتسم فلفول برضا.
وفي اللحظة التي إعترف فيها زياد بحاجته للنصيحة، ظهر خيال الحكيم رزين في الغرفة بشكل سحري.
قال الحكيم بصوت حنون :
"كلنا نخطئ يا بني.. الذكاء ليس أن نعرف كل شيء، بل أن نستمع جيداً ونتعلم ممن سبقونا في التجربة".
وبمساعدة نصائح الحكيم، تمكن زياد من حل الألغاز، فامتلأت الغرفة بنور ساطع.
صفق فلفول بحماس :
— "أحسنت يا زياد! لقد فهمت الدرس".
عاد زياد إلى القرية وقد أصبح فتى أكثر تعقلاً، لكنه ظل محتفظاً بمرحه.
ومنذ ذلك اليوم، صار يستمع لنصائح الكبار باهتمام، ليس خوفاً، بل لأنه فهم أن خبرتهم كنز ثمين يضيء له الطريق.
وعادت "قرية الجَلَبة" لتنعم بالهدوء والمودة، بفضل زياد الذي أصبح يشارك في المغامرات، ولكن بحكمة وإحترام.
العِــــــــــبرة :
«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، يُغْلِقُ قَلْبَهُ أَمَامَ التَّعَلُّمِ، أَمَّا الْمُتَوَاضِعُ فَيَجِدُ فِي كُلِّ نَصِيحَةٍ كَنْزًا، وَفِي كُلِّ خِبْرَةٍ حِكْمَةً».
تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ الذَّكَاءَ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ إِذَا كَانَ قَلْبُنَا مَمْلُوءًا بِالْكِبْرِيَاءِ، وَأَنَّ التَّوَاضُعَ وَاحْتِرَامَ الْكِبَارِ وَالْإِصْغَاءَ إِلَى نَصَائِحِهِمْ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ الْحَكِيمِ.
يُعَلِّمُنَا يَسُوعُ أَنْ نَكُونَ مُتَوَاضِعِينَ، وَأَنْ نَتَعَلَّمَ مِنَ الْآخَرِينَ، فَلَا عَيْبَ فِي أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا عَيْبَ فِي أَنْ نَطْلُبَ الْمُسَاعَدَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
فَالْإِنْسَانُ الْحَكِيمُ لَيْسَ مَنْ يَرْفُضُ النَّصِيحَةَ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، بَلْ مَنْ يَقْبَلُهَا بِمَحَبَّةٍ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَيَسْتَفِيدُ مِنْ خِبْرَةِ مَنْ سَبَقُوهُ فِي الْحَيَاةِ.
وَكَمَا تَعَلَّمَ زِيَادٌ أَنَّ الْحِكْمَةَ كَنْزٌ، لِنَتَعَلَّمْ نَحْنُ أَيْضًا أَنَّ الْقَلْبَ الْمُتَوَاضِعَ هُوَ قَلْبٌ مُسْتَعِدٌّ لِتَعَلُّمِ الْخَيْرِ وَقَبُولِ الْحَقِّ.
«بَلِ الْحِكْمَةُ عِنْدَ الْمُتَوَاضِعِينَ». (أَمْثَال ١١: ٢)
صَلَاة قَصِيرَة :
يَا يَسُوعُ، عَلِّمْنِي أَنْ أَكُونَ مُتَوَاضِعًا، وَأَنْ أُصْغِيَ إِلَى نَصَائِحِ مَنْ يُحِبُّونَنِي، وَأَنْ أَعْتَرِفَ بِأَخْطَائِي دُونَ خَوْفٍ أَوْ كِبْرِيَاء.
إمْلَأْ قَلْبِي بِالْحِكْمَةِ، وَسَاعِدْنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا جَدِيدًا، لِأَنْمُوَ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالصَّلَاحِ. آمــــــــــــين.
فريق عمل خدّام الربّ ®