قصَّة ملهمة عن الدبور الصغير رامي الذي اكتشف أن شغفه بالموسيقى لا يقل أهمية عن عمله في الطبيعة.
حكاية دافئة عن الشجاعة، وتحقيق الذات، وروابط الأسرة التي تزهر بالحب.
تفاصيل القصَّة :
كان رامي دبوراً مفعماً بالحيوية، كثير الحركة، يكسوه وبرٌ ناعمٌ كثيف.
منذ نعومة أظفاره، كان الإيقاع يجري في عروقه ويسري في أجنحته الصغيرة.
كل ما تلمسه يداه يتحول فوراً إلى آلة إيقاعية؛ العلب الفارغة، الحصى الصغيرة، وحتى أوراق الشجر الجافة... كل شيء كان صالحاً ليصنع منه موسيقى.
لاحظ والداه هذا الشغف المبكر، فقررا تسجيله في دروس للموسيقى عند الأستاذ مرجان، وهو حريش (أم أربعة وأربعين) يحظى باحترام الجميع.
لكنهما كانا دائماً يذكرانه بجدية :
— يا رامي، الموسيقى هواية جميلة جداً، لكن تذكر أن عملنا الحقيقي والنبيل هو تلقيح الزهور.
إنه أمر أساسي لكي تستمر الحياة في الطبيعة.
كان رامي يهز رأسه موافقاً، لكنه في قرارة نفسه كان يحلم بأن يصبح عازف إيقاع محترفاً تملأ ألحانه الآفاق.
ومع ذلك، كانت نصائح والديه ترن في أذنيه، فلم يجرؤ قط على اتخاذ الخطوة الكبرى.
في يوم من الأيام، وبينما كان يقوم بعمله الروتيني في الطيران بين الزهور، شعر رامي برغبة عارمة في الهروب قليلاً.
توجه إلى مرجٍ فسيح مليء بزهور الجرس الزرقاء.
هناك، رتب مجموعة من الأغصان والأحجار ليصنع منها طقم طبول مبتكر، وبدأ يعزف بفرح غامر، ناسياً كل شيء حوله.
دم... تك... دم دم تك!
فجأة، سمع صوتاً هادئاً وعذباً يقول:
— لديك إيقاع ممتاز يا فتى!
هل تعمل في هذا المجال؟
التفت رامي ليرى يعسوباً يرتدي نظارة شمسية أنيقة ويبدو عليه مظهر الفنانين، وكان يحمل بوقاً ذهبياً لامعاً.
إحمرَّ وجه رامي خجلاً وقال :
— أتمنى ذلك، ولكن... كما تعلم، تلقيح الزهور مهمة وطنية، وهذا مجرد تسلية.
ابتسم اليعسوب طارق بود وقال :
— التلقيح ضروري للحياة، هذا صحيح.
لكن الموسيقى هي ما يجعل الحياة أجمل.
بالمناسبة، أنا طارق، وأعزف في فرقة موسيقية، ونحن بحاجة ماسة إلى عازف طبول.
هل تود تجربة العزف معنا الليلة عند شجرة الصفصاف قرب البحيرة؟
شعر رامي بقشعريرة من الحماس تسري في جسده.
وعند الغروب، ذهب إلى شجرة الصفصاف حيث وجد فرقة "ألحان الوادي"، وهي فرقة مذهلة تضم طارق على البوق، وغسان الجندب على الكونترباس، ووردة الدعسوقة على البيانو، وليلى الفراشة المغنية.
كان الإنسجام بينهم فورياً.
أمسك رامي بالعصي وقدم أفضل ما لديه، فجعلت الفرقة جميع حشرات الوادي تهتز طرباً وتتجمع حولهم.
عندما إنتهوا، قال طارق وبقية الفرقة بحماس :
— رامي، نحن بحاجة إليك معنا بشكل دائم.
هل تقبل الانضمام إلينا؟
شعر رامي أن حلمه قد أصبح حقيقة، فوافق بسعادة غامرة.
ورغم خوفه من أن يخيّب أمل والديه، قرر أن يراهن على سعادته.
أصبح رامي يقضي الأمسيات في العزف مع فرقة "ألحان الوادي"، ناشراً الفرح بين حشرات الحديقة التي كانت تأتي لتستريح من عناء العمل اليومي.
وبعد فترة، جاء والدا رامي إلى شجرة الصفصاف للاستماع إليه.
وحين رأوه يعزف بكل تلك السعادة والبراعة، أدركوا أن الشغف هو أيضاً وسيلة ضرورية لملء العالم بالجمال.
قالا له بابتسامة فخر :
— نحن فخورون بك يا بني.
الآن عرفنا أن كل شخص يمكنه أن يجعل العالم يزهر بطريقته الخاصة.
وهكذا، استمر رامي، الدبور قارع الطبول، في نشر البهجة والإيقاع والسعادة في كل ركن من أركان الوادي.
العِــــــــــبرة :
لقد وضع الله في قلب كلِّ إنسانٍ مواهبَ فريدةً، ولم يهبها لنا لنُخفيها، بل لنستخدمها في خدمته وخدمة الآخرين.
فكما كان رامي أمينًا في عمله بتلقيح الزهور، لم يُطفئ أيضًا الموهبة التي أودعها الله فيه، بل جعلها سببًا للفرح والتعزية.
يُعلِّمنا الإنجيل أن الله يدعو كلَّ واحدٍ منَّا إلى أن يكون أمينًا فيما أُعطي له، لأنَّ المواهب المختلفة ليست للتفاخر، بل لبنيان الآخرين وتمجيد الله.
فهناك من يخدم بالكلمة، وآخر بالمحبة، وآخر بالعلم، وآخر بالفن والموسيقى، وكلُّها تصبح بركةً عندما تُقدَّم بقلبٍ متواضع.
وكما فرح والدَا رامي عندما رأيا ثمرة موهبته، هكذا يفرح الآب السماوي عندما نستثمر عطاياه بأمانة، فنُدخل الفرح إلى قلوب الناس، ونجعل العالم أكثر جمالًا ومحبةً وسلامًا.
«فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.» (متى ٥: ١٦)
الموهبة عطيةٌ من الله، والأمانة في استخدامها بمحبةٍ وتواضعٍ هي أجملُ طريقةٍ لتمجيد الله وخدمة القريب.
فريق عمل خدّام الربّ ®