26 Oct
26Oct

قصة ساحرة عن الصداقة التي تتحدى الخوف.


تكتشف جُمانة الصغيرة أن الوحش المخيف ليس كما يبدو، وتنطلق في مغامرة شيقة مع صديقتها البشرية سلمى لإنقاذ عائلتها من ساحر طماع.


حكاية مثالية قبل النوم تعلم الأطفال قيمة الشجاعة وعدم الحكم على الظواهر.





تفاصيل القصَّة :

في زمنٍ بعيدٍ جداً، وقبل أن تُبنى المدن العالية، كان هناك عالمٌ سريٌّ يختبئ بين جذور الأشجار العتيقة، وفي شقوق الصخور، وداخل قطرات الندى الصافية.



هناك عاشت «البَراريق»، وهي مخلوقات سحرية صغيرة الحجم، تكاد لا تُرى بالعين المجردة، عُرفت بأنها تجلب «البركة» وحسن الطالع لكل من يحالفه الحظ بلقائها.



في البداية، عاشت البَراريق في وئامٍ مع البشر، لكن طمع الناس في سحرهم وبركتهم أفسد الود.


طُوردت هذه الكائنات اللطيفة، وحُبست في أقفاصٍ ذهبية صغيرة ليتخذها البشر تمائم للحظ.


ومن أجل البقاء، هربت البَراريق واختبأت في ملاجئ بعيدة، حيث لا تصلها العيون الطماعة.


وهكذا، شيئاً فشيئاً، وجدوا السلام مرة أخرى... بعيداً عنا.



جُمانة، بريقةٌ شابة ذات روحٍ فضولية وشجاعة، كانت تعيش مع والدها وجدها في مستوطنة صغيرة نشأت حول طاحونة مياه مهجورة، تحيط بها المياه العذبة والنباتات البرية.


كان ذلك الركن يوفر لهم المأوى والأمان، لكن جُمانة كانت تشعر في أعماقها بأن شيئاً ما ينقصها.



كانت قد صادقت فتاة بشرية تُدعى سلمى، وهي طفلة رقيقة وكريمة النفس، التقت بها قبل بضعة أسابيع واكتشفت معها متعة مشاركة الأسرار والألعاب.


لكن والد جُمانة منعها بشدة من أي تواصل معها.



قال الأب بصوتٍ رخيم يملؤه القلق :


«لا يمكننا الوثوق بالبشر يا بنيتي.. إن بركتنا تصبح ملكاً لهم بمجرد أن تقع أعينهم علينا».



إحتجت جُمانة قائلة :


«هذا ليس عدلاً يا أبي! سلمى لا تصادقني لمصلحة، إنها مختلفة عن الآخرين».



رد الأب بحزم قاطعاً الطريق أمام أي جدال :


«الناس يتغيرون مع الوقت... يصبحون طماعين.. الأمر خطير جداً، ألا ترين؟ خاصة في أيامٍ كهذه... أيامٍ غائمة ورمادية. أيامٍ قد يخرج فيها (الهَيُول)».




كان «الهَيُول» هو الوحش الذي تتحدث عنه أساطير البَراريق؛ كائنٌ يهيم بين الظلال، يصطادهم ليسلمهم للبشر.


كان البعض يقول إنه مجرد خرافة، وكذلك كانت تعتقد جُمانة.



صاحت جُمانة بغضب وهي تغادر منزلهم الصغير وتصفق الباب خلفها :


«أنت ظالم! إنها صديقتي!».




وبينما كانت تبتعد، بدأ ضبابٌ فضي كثيف يزحف على سفح التل.


لم تلتفت جُمانة للخلف من شدة غضبها، وفجأة، تعالت صرخات مفزعة :



— «الهَيُول! لقد جاء الهَيُول!»



إنقبض قلب جُمانة، وركضت عائدة إلى مخبئها لتحتمي، لكنها ذُهلت حين رأت الضباب ينسحب ببطء من داخل منزلها... وقد اختفت عائلتها.



دون تفكير، تتبعت الأثر. 


إنسلّت بين الأغصان، وعبرت الجداول، وتسلقت الأوراق، متجنبة نظرات البوم الفضولية.


كان الخوف رفيقها، لكن العزيمة كانت قائدها.


بعد ساعات من المطاردة، قادها الضباب إلى منزل بشري متهالك، تغطيه النباتات المتسلقة والطحالب.


وبقلب يخفق كالطبل، وجدت شقاً في الباب الخشبي القديم تسللت منه إلى الداخل... وهناك رأت ما جمد الدماء في عروقها.



على أحد الجدران، كانت عشرات الأقفاص الذهبية تضم بَراريق فاقدة للوعي، ومن بينهم والدها وجدها.



ثم رأته.


ساحرٌ ذو وجه شاحب يتحدث مع كائنٍ دقيق محبوس في قفص فولاذي.



حبست جُمانة أنفاسها.



إنه الهَيُول... لقد كان بريقاً مثلهم!



قال الساحر وهو يرفع قارورة صغيرة مختومة ويقربها من وجهه :


«لقد جلبت عدداً قليلاً هذه المرة... سأضطر لإنتزاع وتعذيب جوهر روح إبنتك أيضاً...».



صرخ الهَيُول برعب :


«لا! أرجوك! سأبذل جهداً أكبر...».


فهمت جُمانة الحقيقة المرة : الهَيُول لم يكن وحشاً، بل كان واحداً منهم، أسر الساحر جوهر ابنته في تلك القارورة، وأجبره على إصطياد بني جنسه لإنقاذ فلذة كبده.


تلك القارورة كانت الخيط الخفي الذي يكبله.


أدركت جُمانة أنها لا تستطيع مواجهة الساحر وحدها.


فبما أنه بشري، فإن مجرد وجودها أمامه سيجلب له الحظ السعيد... وسيجر عليها الحظ العاثر.



لكنها فكرت في صديقتها سلمى.


هي أيضاً بشرية، لكن الأمر معها مختلف.


أرادت جُمانة أن تمنحها حظها وبركتها. ربما، بمساعدتها، لا يزال هناك أمل.




إنطلقت كالسهم عبر الغابة والليل يهبط، حتى وصلت إلى نافذة سلمى ووجدتها في فراشها.


همست جُمانة من حافة النافذة :


«يجب أن تساعديني! أرجوكِ!».



عندما رأت الفتاة الصغيرة صديقتها في تلك الحالة من الهلع، لم تتردد لحظة.



قفزت من النافذة وهبطت بخفة على بساط من العشب الناعم.


لقد بدأت بركة جُمانة تعمل.



ركضتا معاً تحت عباءة الليل الحالك.


لم تتعثرا، ولم تضلا الطريق، ولم يلمحهما أحد.


عند وصولهما لمنزل الساحر، أشارت جُمانة إلى القارورة عبر نافذة متسخة.


— «عليكِ كسر تلك القارورة.. هذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير الهَيُول».



دخلت سلمى بحذر.


لم تصدر الأرضية أي صرير تحت قدميها.


كان كل شيء يسير لصالحها. 


إقتربت من القارورة... وفي اللحظة التي لمستها فيها، إستيقظ الساحر بزمجرة مخيفة.



— «لا!» صرخ الساحر مندفعاً نحوها.



لكن الأوان كان قد فات. 


إرتطمت القارورة بالأرض وتحطَّمت إلى شظايا، وانطلقت منها هالة نور ذهبية عادت فوراً إلى جسد الهَيُول وإبنته المحبوسة في القفص المجاور.


وقف الهَيُول وعيناه تلمعان بنور الحرية.


صرخت جُمانة : «الآن!».



أغمض الهَيُول عينيه ومدَّ ذراعيه، فهبَّت ريح سحريَّة عاتية في الغرفة، أيقظت البَراريق النائمة.


تجمعوا جميعاً، ووجَّهوا أياديهم الصغيرة نحو سلمى... ومنحوها كل بركتهم دفعة واحدة.


حاول الساحر التقدُّم خطوة، لكن الأرضيَّة تداعت تحته فجأة.


إنكسر الخشب المُتعَفِّن، وسقط الساحر هاوياً إلى القبو المُظلِم، وبدأ المنزل بأكمله يهتزُّ ويُصدُر أصواتاً تُنذِر بالإنهيار.



فتحت سلمى الأقفاص واحداً تلو الآخر، بينما كانت البَراريق تفرُّ بسرعة البرق.


كان الهَيُول آخر من خرج، حامِلاً إبنته، قبل لحظات من إنهيار المنزل مُحدِثاً دوِيًّا هائلاً.



في فسحة هادئة وسط الغابة، تنَفَّس الجميع الصُّعداء.



قالت جُمانة لصديقتها البشريَّة :


«شُكراً لكِ.. لقد أنقذتنا».



إبتسمت سلمى وقالت :


«لا، بل أنتِ من منحتني البركة والتوفيق، أنا فقط أحسنتُ إستخدامهما».



ومنذ ذلك الحين، لم تعُد البَراريق تعيش في الخفاء التام.


تعلموا أن ليس كلّ البشر طماعين، وأن البعض يملكون قلوباً نقية... وأنه عندما يجتمع السحر مع الصداقة الحقيقيَّة، لا يُمكِن لأيّ ساحرٍ شرّيرٍ أن ينتَصِر.






العِــــــــــبرة :


تُذكِّرنا هذه القصَّة بأنَّ المظاهر قد تخدع، وأنَّ القلب هو ما يراه الله.


فالهَيُول الذي ظنَّه الجميع وحشًا، كان في الحقيقة أبًا مُتألِّمًا وقع أسيرًا للشرِّ والخوف.


وهكذا يُعلِّمنا المسيح ألَّا نُدين أحدًا بحسب الظاهر، بل أن ننظر بعين الرَّحمة والمحبَّة.


كما تُظهِر لنا أنَّ الصداقة الحقيقيَّة المبنيَّة على الثقة والإخلاص تستطيع أن تتغلَّب على الخوف والانقسام.


لقد خاطرت سلمى من أجل إنقاذ أصدقائها، لأنَّ المحبَّة الصادقة لا تبحث عن مصلحتها، بل تبذل ذاتها من أجل الآخرين، كما أحبَّنا الرَّبُّ يسوع وبذل نفسه لأجلنا.


وتُذكِّرنا أيضًا بأنَّ الشرَّ قد يحاول استعباد الإنسان بالخوف أو بالطمع، لكنَّ الحقَّ يُحرِّر، والمحبَّة تنتصر دائمًا. 


فعندما تعاونت جُمانة وسلمى، انكسرت قيود الظلم، وعادت الحريَّة إلى الأسرى.


فلنتعلَّم أن نثق بالله، وألَّا نحكم على الآخرين من مظهرهم، وأن نجعل المحبَّة والشجاعة والإيمان تقود خطواتنا، لأنَّ :

 «المحبَّة لا تسقط أبدًا» 

 (١ كورنثوس ١٣: ٨)


ولأنَّ نور المسيح يبدِّد كلَّ خوف، ويقود القلوب النقيَّة إلى نصرة الخير.



 فريق عمل خدّام الربّ ®

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.