07 Nov
07Nov

تأمُّل روحيّ في محبّة الله وشركة الأبناء في المسيح



نحن أحباءُ الله، في الربّ يسوع المسيح، وبفعل الروح القدس!


لسنا مجرّد أشخاصٍ يعرفون الله من بعيد، أو عبيدٍ ينفّذون وصاياه خوفًا من العقاب، بل نحن أبناءٌ دُعينا إلى الدخول في شركة المحبّة الإلهيّة، لنحيا في حضرته، ونشترك بنعمته في حياته.



فكلُّ شيءٍ مستطاعٌ عند الله، وبالنعمة يستطيع أبناء الله أن يثبتوا في المحبّة، ويسلكوا في الحقّ، وينتصروا على ضعفهم.


فالمحبّة لا تنفصل عن الحقيقة، والحقيقة لا تبلغ غايتها في حياة الإنسان إن لم تكن متجذّرةً في المحبّة.


لا يمكننا أن نحبّ الله ونرفض حقّه، كما لا يمكننا أن نتمسّك بالحقّ ونُفرغه من روح المحبّة.


فمَن يبحث عن الحقيقة بصدق، إنّما يبحث عن الله، لأنّ الله هو مصدر كلّ حقيقة، والله محبّة.


والمحبّة الإلهيّة ليست مجرّد عاطفةٍ عابرة، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في المناسبات، بل هي حضورٌ يغيّر الإنسان من الداخل، ويجعله أكثر صدقًا وتواضعًا ورحمةً وأمانة.


إنّها ليست محبّة المنتفعين الاستغلاليّين، الذين يقتربون من الآخرين طلبًا لمصالحهم، ولا محبّة المبتدعين المتملّقين، الذين يلبسون أقنعة التقوى والبرارة، ويتظاهرون بحُسن الأخلاق واللطف واللياقة، بينما تُخفي قلوبهم عكس ما تُظهره وجوههم.


فقد يبدو الإنسان من الخارج جميلًا في كلامه وتصرفاته، لكنّ قلبه قد يكون بعيدًا عن الله، خاليًا من الرحمة والصدق، كقبرٍ مُزيَّن من الخارج، بينما يسكنه الموت من الداخل.


فالمحبّة الحقيقيّة لا تتجمّل بالأقنعة، ولا تحتاج إلى التظاهر، لأنّها تنبع من قلبٍ يسكنه الله.


وحيثما تسكن المحبّة الصادقة، يحضر الحقّ، وحيثما يحضر الحقّ، تنكشف الأقنعة، وتسقط كلّ المظاهر الكاذبة.


أمّا الحقّ، فليس مجرّد مبدأٍ سامٍ، أو فكرٍ مضيء، أو منظومةٍ حميدة، أو عالمٍ من المُثُل، أو قائمةٍ من الشرائع والقوانين؛ فالحقّ أعمق من كلّ ذلك، لأنّه شخصٌ حيّ، هو الربّ يسوع المسيح، الإنسان والإله، الكلمة المتجسّد، ابن الله، المساوي للآب في الجوهر، الواحد معه في الألوهة، في سرّ الثالوث القدّوس.


يسوع هو الحقّ الذي صار إنسانًا، لكي يلتقي الإنسان بالله.


هو الكلمة الذي أعلن لنا قلب الآب، وكشف لنا عمق محبّته، وفتح أمامنا طريق الخلاص. 


لذلك قال :

 «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ   وَالْحَيَاةُ».


وهنا نصل إلى عمق كلمات المسيح :

«بَلْ دَعَوْتُكُمْ أَحِبَّاءَ».


يا لها من كرامةٍ إلهيّة عظيمة! 


أن يدعونا ابن الله أحباءه! لم يكتفِ بأن يمنحنا وصاياه، بل كشف لنا أسرار قلب الآب، وأطلعنا على ما سمعه منه، وأدخلنا في علاقةٍ شخصيّة معه.


فالعبد ينفّذ ما يُؤمر به، لكنّ الصديق يُدعى إلى معرفة قلب صديقه.


والمسيح لم يُرِد أن تبقى علاقتنا به علاقة خوفٍ ومسافة، بل أرادها شركةً في المحبّة، مبنيّةً على الثقة والأمانة والإيمان.


إنّها ليست شركة العبيد، بل شركة الأبناء!


أن نكون أحباء المسيح يعني أن نعرفه، لا بمعرفةٍ نظريّة فحسب، بل باختبار حضوره في حياتنا.


يعني أن نصغي إلى كلمته، ونقبل حقّه، ونسمح لمحبّته أن تُغيّر أعماقنا.

ويعني أيضًا أن نُترجم هذه الصداقة إلى حياةٍ تشبه حياته، فنحبّ كما أحبّ، ونغفر كما غفر، ونتواضع كما تواضع، ونبذل أنفسنا في سبيل الآخرين.


فهل نستطيع أن نقول إنّنا أحباء المسيح، بينما نرفض أن نحبّ إخوتنا؟ وهل يمكننا أن ندّعي معرفة الحقّ، بينما نُخفي في قلوبنا الكراهية والكبرياء والخداع؟


إنّ محبّة المسيح ليست امتيازًا نتباهى به، بل مسؤوليّة نعيشها، ونعمة نحافظ عليها، ودعوة نتجدّد في قبولها كلّ يوم.


يا ربّي يسوع، أشكرك لأنّكَ لم تدعني عبدًا، بل دعوتني حبيبًا.


أشكرك لأنّكَ لم تُخفِ عنّي سرّ محبّة الآب، بل كشفتَ لي الطريق إليك، وفتحتَ أمامي باب الشركة في حياتك الإلهيّة.


علّمني ألّا أكون مسيحيًّا بالمظهر فقط، بل إنسانًا يحمل الحقّ في قلبه، والمحبّة في أعماله، والتواضع في سلوكه.


إجعلني أعيش كابنٍ يعرف أباه، وكصديقٍ يثق بمعلّمه وربّه، وكإنسانٍ اختبر محبّتك فلا يستطيع أن يحيا بعيدًا عنها.


فما أعظم أن نكون أحباء الله، وما أعمق أن نعرف أنّنا لسنا غرباء عن قلبه، بل مدعوّون بالنعمة إلى شركةٍ معه، في الابن، بالروح القدس! آمــــــــــــين.



 /جيزل فرح طربيه/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.