وحشٌ ظريف يكتشف بالصدفة أن رائحة الكعك أشهى بكثير من إخافة الأطفال !
قصة ساحرة ودافئة تشجع طفلك على إكتشاف مواهبه الحقيقية، وتُعلمنا أن السعادة تكمن في أن نكون على طبيعتنا.
تفاصيل القصَّة :
في قمةِ تلةٍ بعيدةٍ ومظلمة، حيثُ تصفرُ الرياحُ بين أغصانِ الأشجار وتبدو الغيومُ مثلَ كراتِ الصوفِ الرمادية، عاشَ نَمْنَم، وهو وحشٌ محترفٌ في مهنةِ إثارةِ الفزع.
في كلِ ليلة، كان نَمْنَم يخرجُ حاملاً قائمةَ مهامهِ اليومية:
إخافةُ ثلاثةِ أطفالٍ مشاغبين.
مطاردةُ قطةِ الجيران.
الزئيرُ بصوتٍ مخيفٍ من داخلِ خزانةِ الملابس.
كان نَمْنَم وحشاً مجتهداً جداً.
يزأرُ بإيقاعٍ مدروس، ويحركُ أذنيهِ الكبيرتين ليبدو مرعباً، ويرسمُ إبتسامةً تظهرُ أنيابهُ الحادة.
ولكن... في الآونةِ الأخيرة، بدأ يشعرُ بالملل.
تنهد نَمْنَم قائلاً : "ليلةٌ أخرى وأنا أصرخ (عوووو)! هل يمكنني أن أفعل شيئاً آخر غيرَ هذا؟"
وفي ليلةٍ مقمرة، وبينما كان يطلُ من إحدى النوافذ، شمَّ رائحةً غيرت حياتَهُ تماماً :
رائحةً دافئة، ذكية، ولا تُقاوم... إنها رائحةُ كعكٍ طازجٍ خرجَ لتوّهِ من الفرن!
أدخلَ نَمْنَم رأسَهُ الكبيرَ من النافذة، فرأى جدةً طيبةً تُخرجُ صينيةً من الكعكِ الذهبيّ.
ودونَ أن يشعر، وبدلاً من أن يصرخ بصوتهِ المخيف، قال :
— يالها من رائحةٍ رهيييييبة... أعني، رهيبةً في جمالها !
إلتفتت الجدةُ إليه، ونظرت في عينيه، وبدلاً من أن تصرخَ فزعاً، ابتسمت ومدت له قطعةً من الكعك:
— هل تريدُ أن تتذوقَ يا صغيري؟
أخذَ نَمْنَم قضمةً صغيرة.
وفجأة، شعرَ وكأن شعاعاً من السعادةِ يملأ قلبه؛ كان الطعمُ ناعماً، وحلواً، ومليئاً بقطعِ الشوكولاتةِ الذائبة.
— هذا أروعُ بكثيرٍ من إخافةِ الناس! — قال نَمْنَم وعيناهُ تلمعان بالفرح — يجبُ أن أتعلمَ كيف أصنعُ هذا بنفسي!
منذُ ذلك اليوم، تركَ نَمْنَم مهنةَ الإخافة، وتفرغَ تماماً للخبزِ وصناعةِ الحلوى.
صارَ يصنعُ فطائرَ تقفزُ فرحاً من القوالب، وكعكاً على شكلِ خفافيشَ ظريفة، وتورتاتٍ مزينةً بالكريمةِ البيضاءِ الناعمة.
أصبحت الغابةُ كلها تفوحُ برائحةِ الفانيليا والهيل.
وكانت حيواناتُ الغابةِ تمرُ بمنزلهِ في وقتِ العصرية، فيخرجُ لهم نَمْنَم مرتدياً مئزرهُ المزينَ بدوائرَ حمراء، ويوزعُ عليهم الحلوى بابتسامةٍ عريضةٍ وأنيابٍ لطيفة.
ولكن بالطبع... لم يفهم الجميعُ هوايتهُ الجديدة.
في صباحِ أحدِ الأيام، مرَّ شمشون، وهو غولٌ ضخمٌ وسخيف، وبدأ يسخرُ منه :
— ها! وحشٌ يصنعُ الكعك؟ هذا يثيرُ الضحك لا الخوف! يا لكَ من وحشٍ ناعم!
نظرَ إليهِ نَمْنَم بهدوء، ورفعَ حاجبَهُ الكثيف، وتمتمَ بصوتٍ عميق :
— يثيرُ الضحكَ تقول؟ حسناً، استعد لمواجهةِ "فزعةِ الخبازِ الكبرى"!
ضحك الغولُ شمشون... وفجأة! انفجرت في وجههِ سحابةٌ بيضاءُ من الطحين، وقفزت كعكةٌ صغيرةٌ لتستقرَ فوق أنفه، بينما بدأ الشوبك (عصا العجين) يدورُ حوله وهو يصيح :
— حانَ وقتُ العجن! حانَ وقتُ العجن!
هربَ الغولُ وهو يركضُ متعثراً، ومنذ ذلك الحين، لم يجرؤ أحدٌ على السخريةِ من حلوياتِ نَمْنَم.
ويُقال إن من يفعلُ ذلك، يستيقظُ في الصباحِ ليجدَ الكريمةَ في أذنيهِ والسكرَ الناعمَ داخلَ جواربه!
ولا يزالُ نَمْنَم يخبزُ بسعادةٍ وهناء.
وأحياناً، يضحكُ عندما يتذكرُ ماضيهِ كوحشٍ مخيف، ويقولُ بينما يخلطُ السكرَ مع الزبدة :
— لا يوجدُ شيءٌ أحلى في الدنيا من أن تكونَ نفسك... حتى لو كنتَ ترتدي مئزراً ولديك أنياب.
وكلما أخرجَ كعكةً ساخنةً من الفرن، يهمسُ لها قائلاً :
— طعمكِ رهيييييب... ومرعبٌ من شدةِ اللذة !
العِــــــــــبرة :
لَمْ يَخْلُقْنَا اللهُ لِنُشْبِهَ الآخَرِينَ، بَلْ مَنَحَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا مَوْهِبَةً تُمَيِّزُهُ، وَدَعَانَا لِنَسْتَخْدِمَهَا فِي خِدْمَةِ الْخَيْرِ وَنَشْرِ الْمَحَبَّةِ.
تُعَلِّمُنَا قِصَّةُ نَمْنَم أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكْتَشِفُ فِي دَاخِلِهِ قُدْرَاتٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا، وَأَنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ نُرْضِيَ تَوَقُّعَاتِ الْآخَرِينَ، بَلْ فِي أَنْ نَسْتَخْدِمَ مَوَاهِبَنَا بِمَا يُفْرِحُ اللهَ وَيُسْعِدُ الْقَرِيبِينَ مِنَّا.
فَقَدْ يَكُونُ مَا نَحْسَبُهُ ضَعْفًا فِينَا، بَابًا لِعَطَاءٍ جَمِيلٍ، وَقَدْ تَكُونُ مَوْهِبَةٌ صَغِيرَةٌ سَبَبًا فِي إِدْخَالِ الْفَرَحِ إِلَى قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ.
فَلَا تَحْتَقِرْ مَوْهِبَتَكَ، وَلَا تَسْخَرْ مِنْ مَوَاهِبِ الْآخَرِينَ؛ فَالْمَسِيحُ يَدْعُونَا أَنْ نَجْعَلَ مِنْ كُلِّ عَطِيَّةٍ نِلْنَاهَا وَسِيلَةً لِلْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ.
«لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً، يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْبَعْضًا». (١ بطرس ٤:١٠)
فَالْجَمَالُ لَيْسَ فِي أَنْ تَكُونَ شَخْصًا آخَرَ، بَلْ فِي أَنْ تَكُونَ مَنْ خَلَقَكَ اللهُ لِتَكُونَهُ، وَأَنْ تَجْعَلَ مِنْ مَوْهِبَتِكَ حُلْوَى تُفْرِحُ قُلُوبَ النَّاسِ!
فريق عمل خدّام الربّ ®