02 Nov
02Nov

سيفٌ يستقر بثبات داخل حجر في لندن، ولن يتمكن من سحبه سوى الملك الحقيقي لكل إنجلترا. 





تفاصيل القصَّة :


في قديم الزمان، عندما كانت بريطانيا أرضاً للقلاع والطرقات التي يكسوها الضباب، وُلد ابن للملك «أوثر بندراجون» والملكة «إيغراين».


لكن المملكة كانت محفوفة بالمخاطر، وكان اللوردات الأشداء يحومون حول العرش كالغربان.


لذا، وفي ليلة شتوية باردة، جاء الساحر «مرلين» إلى بوابة القلعة، ولفّ الطفل الرضيع بقطعة قماش منسوجة بخيوط الذهب، وحمله بعيداً في عتمة الليل.



أعطى «مرلين» الطفل لفارس طيب ولطيف يُدعى «السير إكتور»، والذي كان يعيش في مكان بعيد عن لندن.



«رَبِّهِ كأنه إبنك»، قال مرلين، ولا تطرح أي أسئلة.. إسمه آرثر».


وهكذا، كبر آرثر في منزل السير إكتور إلى جانب ابنه «كاي»، وهو يعتقد أنه ليس سوى الإبن الأصغر للفارس. 


تعلّم ركوب الخيل، والإعتناء بالجياد، وتلميع الدروع حتّى تلمع كالماء الصافي.


لم يخبره أحد بحقيقة هويته، لأنه لم يكن هناك من يعرف. 


ولا حتى السير إكتور.



مرّت السنون، وتوفي الملك أوثر. أصبحت البلاد الآن بلا ملك على الإطلاق، وبدأ كبار اللوردات يتشاجرون حول من يجب أن يرتدي التاج، وكانت شجاراتهم تزداد صخباً وبشاعة يوماً بعد يوم.



وأخيراً، استدعى رئيس أساقفة كانتربري، بناءً على نصيحة مرلين، كل لورد وفارس في المملكة إلى لندن في عيد الميلاد.


وعندما خرجوا من الكنيسة الكبرى في صباح العيد، توقفوا وحدقوا بذهول.


ففي ساحة الكنيسة، حيث لم يكن هناك أي حجر في الليلة السابقة، وقفت كتلة حجرية ضخمة، مربعة الشكل كطاولة. 


وفوقها إستقر سندان من الفولاذ، وعبر السندان، مغروساً بعمق في الحجر، إستقر سيف.


وحوله، نُقشت بحروف من ذهب هذه الكلمات :


من يسحب هذا السيف من هذا الحجر والسندان، فهو الملك الحق والمولود ليحكم كل إنجلترا.



يا للعجب! واحداً تلو الآخر، أمسك أقوى لوردات بريطانيا بمقبض السيف وشدّوا بكل قوتهم.


سحبوا حتى تحولت وجوههم إلى اللون البنفسجي وتمزقت قفازاتهم من عند اللحامات. لكن السيف لم يتزحزح قيد أنملة.


«إن من سيسحب هذا السيف ليس حاضراً بيننا الآن»، قال رئيس الأساقفة.


«لكن الله سيكشف عنه في الوقت المناسب.. وحتى ذلك الحين، دعونا نُقم بطولة كبرى في يوم رأس السنة، حتى يتمكن كل فارس في البلاد من القدوم إلى لندن».


توافد الفرسان من كل حدب وصوب في المملكة، وكان من بينهم السير إكتور؛ وابنه السير كاي، الذي نُصّب فارساً في الخريف الماضي فقط؛ والشاب آرثر، الذي جاء ليحمل درع كاي ويشاهد المبارزة.



لكن في صباح يوم البطولة، وقعت الكارثة: مدّ كاي يده ليتناول سيفه فوجد غمداً فارغاً.


لقد نسيه في مكان إقامتهم.


«يا آرثر، عُد على صهوة جوادك وأحضره»، ترجاه كاي. 

«أسرع، لا يمكن لفارس أن يبارز بلا سيف!».


انطلق آرثر عائداً عبر الشوارع الخالية.


لكن مكان الإقامة كان مغلقاً ونوافذه موصدة، فقد ذهب كل من في لندن لمشاهدة البطولة، ولم يكن هناك من يفتح له الباب.


عضّ آرثر على شفته.


ثم تذكر شيئاً كان قد رآه: سيفاً يستقر في ساحة الكنيسة، مغروساً في سندان فوق حجر.


ويبدو أن أحداً لم يكن يستخدمه.


«لن يبقى كاي بلا سيف في هذا اليوم»، قال في نفسه.



كانت ساحة الكنيسة صامتة وخالية؛ حتى الحراس تسللوا خلسة لمشاهدة المبارزة.


قفز آرثر عن جواده، وأمسك بالمقبض بيده وسحب، بخفة وسهولة، وكأن السيف ينزلق من قطعة زبدة.

لم يقرأ الحروف الذهبية.


ولم يكن لديه أدنى فكرة عما يحمله.


بل ركب جواده عائداً ببساطة وسلّم السيف إلى كاي.


عرفه كاي على الفور.

اتسعت عيناه، وللحظة واحدة فقط، تسللت فكرة ماكرة إلى رأسه.


أسرع إلى والده.


«يا سيدي»، قال كاي، «انظر! معي سيف الحجر. لذا يجب أن أكون أنا ملك إنجلترا».


نظر السير إكتور إلى ابنه في صمت للحظة طويلة.


ثم ركب مع كاي وآرثر عائدين مباشرة إلى الكنيسة، وهناك جعل كاي يضع يده على الكتاب المقدس.


«الآن أخبرني بالحق: كيف حصلت على هذا السيف؟»


إحمرّ وجه كاي خجلاً حتّى أطراف أذنيه.



«أخي آرثر هو من أحضره لي»، إعترف كاي.


إلتفت السير إكتور إلى آرثر.


«أعد السيف إلى المكان الذي وجدته فيه»، قال السير إكتور.


«هذا أمر يسير»، قال آرثر بحيرة، وأزلق النصل داخل السندان بسلاسة تامة كما أخرجه.


أمسك السير إكتور بالمقبض وسحب بكل قوته.


لكن السيف ظل ثابتاً.


ثم شدّه السير كاي حتى أنَّ من فرط الجهد. 

وظلَّ السيف ثابتاً.

حينها، سحبه آرثر، وهو في غاية الحيرة، مرة أخرى، بخفة ريشة.


فركع السير إكتور والسير كاي أمامه على الأرض المكسوة بالصقيع.


«أبي!» صاح آرثر مذعوراً. 


«أخي! لماذا تركعان لي؟»


«لأنني لم أكن يوماً والدك، رغم أنني أحببتك كابن لي»، قال السير إكتور بلطف.


«لقد أحضرك مرلين إليّ عندما كنت طفلاً صغيراً.. والآن أدرك أنه يجب أن تكون أنت ملك هذه البلاد».



شعر آرثر بالدموع تلسع عينيه، حزناً على الأب والأخ اللذين ظن أنه يمتلكهما، ورهبة من الحياة الجديدة الغريبة التي تُفتح أمامه كباب عظيم.


«إن أصبحت ملكاً في يوم من الأيام»، قال آرثر، «فلن تكونا بعيدين عني أبداً.. وسيكون كاي كبير أمناء البلاط لكل أراضيي، وحارساً لقلاعي، ما دمنا على قيد الحياة».



لكن كبار اللوردات استشاطوا غضباً. صبي؟ نكرة، ليحكمهم؟ 


طالبوا بإعادة الإختبار مرة أخرى، وهكذا كان، أمامهم جميعاً، في عيد الشموع، ومرة أخرى في عيد الفصح، ومرة أخرى في عيد العنصرة.


وفي كل مرة، كان أعتى رجال بريطانيا يشدّون السيف حتى تضجّ ساحة الكنيسة بتذمرهم.


وفي كل مرة، لم يتزحزح. 


وفي كل مرة، كان آرثر يسحبه بسهولة كمن يقطف زهرة.



وفي عيد العنصرة، كان عامة الناس في لندن، من خبازين ومراكبيين ونساجين وصبيان الإسطبلات، قد طفح بهم الكيل.


«نريد آرثر ملكاً علينا!» هتفوا. 


«لن نؤخره بعد الآن، فجميعنا نرى أن هذه هي مشيئة الله!»


وركع الأغنياء والفقراء معاً في ساحة الكنيسة وطلبوا من الصبي المغفرة لتأخيره كل هذا الوقت، وسامحهم آرثر جميعاً بكل سرور.


وضع السيف على المذبح، ونُصّب فارساً على يد أفضل رجل هناك، ثم تُوّج ملكاً، وأقسم أن يكون ملكاً حقاً وأن يحرص على إرساء العدل، للصغير والكبير على حد سواء، طوال أيام حياته.


وعيَّن كاي كبير أمناء البلاط في إنجلترا، تماماً كما وعد.



وقف مرلين على حافة الحشد، متكئاً على عصاه، ومبتسماً في لحيته كما يفعل السحرة عندما تسير الخطة على أكمل وجه.


فالسيف الذي في الحجر قد أدى مهمته: لقد وجد الملك الحقيقي.


أما بالنسبة للملك الشاب آرثر، فإن مغامراته كانت قد بدأت للتو.





العِــــــــــبرة :

لَيْسَتِ العَظَمَةُ فِي قُوَّةِ الإِنْسَانِ، وَلَا فِي مَكَانَتِهِ أَوْ نَسَبِهِ، بَلْ فِي قَلْبِهِ الَّذِي يَخْتَارُهُ اللهُ لِمُهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ.


تُعَلِّمُنا هذِهِ القِصَّةُ أَنَّ اللهَ قَدْ يُخَبِّئُ فِي الإِنْسَانِ قُدُرَاتٍ وَمَوَاهِبَ لَا يَعْرِفُها حَتَّى هُوَ، وَأَنَّ المَظْهَرَ الخَارِجِيَّ لَيْسَ مِقْياسًا لِقِيمَةِ الإِنْسَانِ.


فَآرْثر لَمْ يَكُنْ أَمِيرًا يَعْرِفُ أَصْلَهُ، وَلَا فارِسًا عَظِيمًا يَتَباهَى بِقُوَّتِهِ، بَلْ كانَ شابًّا بَسِيطًا، يَخْدِمُ أَخاهُ وَيُساعِدُهُ بِمَحَبَّةٍ وَتَواضُعٍ.


وَلَعَلَّ أَجْمَلَ ما في القِصَّةِ أَنَّ آرْثر سَحَبَ السَّيْفَ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيْفُ المُلْكِ!


لَمْ يَذْهَبْ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الآخَرِينَ، وَلَمْ يَطْمَعْ فِي التَّاجِ أَوِ السُّلْطَةِ، بَلْ تَصَرَّفَ بِبَساطَةٍ لِيُساعِدَ أَخاهُ.

وَهُنا نَكْتَشِفُ أَنَّ القِيمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَظْهَرُ فِي الأَعْمالِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي نَقُومُ بِها بِمَحَبَّةٍ، لا في الِادِّعاءاتِ الكَبِيرَةِ الَّتِي نُطْلِقُها عَنْ أَنْفُسِنا.


وَكَذلِكَ يُعَلِّمُنا آرْثر أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَغْلِبَ الآخَرِينَ، بَلْ فِي أَنْ نَكُونَ مُتَواضِعِينَ، صادِقِينَ، وَأُمَناءَ. 



فَعِنْدَما اعْتَرَفَ كاي بِالحَقِيقَةِ، لَمْ يَحْقِدْ عَلَيْهِ آرْثر، بَلْ سامَحَهُ وَحافَظَ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُ، حَتَّى إِنَّهُ وَعَدَهُ بِمَكانَةٍ كَرِيمَةٍ إِلى جانِبِهِ.


وَمِنْ هُنا نَفْهَمُ أَنَّ المَسِيحَ يَدْعُونا إِلى قِيادَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الخِدْمَةِ، لا عَلَى التَّسَلُّطِ، وَإِلى سُلْطانٍ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنَ المَحَبَّةِ وَالعَدْلِ، لا مِنَ الخَوْفِ وَالقَهْرِ.



فَقَدْ قالَ الرَّبُّ يَسُوع :

 «مَنْ أَرادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ   عَظِيمًا، فَلْيَكُنْ لَكُمْ خادِمًا»   (مَتَّى ٢٠: ٢٦).


وَأَخِيرًا، تُذَكِّرُنا القِصَّةُ بِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسانٍ رِسالَةً وَدَوْرًا، وَأَنَّ اللهَ قَدْ يَفْتَحُ أَمامَنا أَبْوابًا لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُها.


فَلا نَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ مَظْهَرِهِ، وَلَا نَحْتَقِرُ أَنْفُسَنا إِذا كُنَّا بُسَطاءَ، بَلْ لِنَكُنْ أُمَناءَ في المَسْؤُولِيّاتِ الصَّغِيرَةِ، وَواثِقِينَ بِأَنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلوبَنا وَيَرَى ما لا يَراهُ النّاسُ.


فَلَيْسَ السُّؤالُ: مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَحْمِلَ التّاجَ؟ بَلْ: مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَحْمِلَ مَسْؤُولِيَّةَ المَحَبَّةِ وَالعَدْلِ وَالخِدْمَةِ؟


فَالتّاجُ قَدْ يَرْفَعُ الإِنْسانَ فَوْقَ عَرْشٍ، أَمّا التَّواضُعُ وَالمَحَبَّةُ فَيَرْفَعانِ قَلْبَهُ نَحْوَ اللهِ.


والعِبْرَةُ الأَجْمَل :

لا تَنْتَظِرْ أَنْ تَمْلِكَ سَيْفًا أَوْ تاجًا لِتُثْبِتَ قِيمَتَكَ؛ اكْتَفِ بِأَنْ تَكُونَ أَمينًا في ما وَضَعَهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَرُبَّما كانَتْ أَعْظَمُ رِسالَةٍ في حَياتِكَ تَبْدَأُ مِنْ عَمَلٍ صَغِيرٍ تَفْعَلُهُ بِمَحَبَّةٍ.



 فريق عمل خدّام الربّ ®

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.