تحت مصنع السكر، كان «الفاميليار» يغط في نومه، ليخطف أي عامل يسير وحده.
لكن فاكوندو لا ينوي ترك أي شخص بمفرده.
تفاصيل القصَّة :
في حقول قصب السكر بالشمال، حيث تفوح في الهواء رائحة القصب المحترق وتكتسي الأحراش باللون الأزرق عند الغسق، كان هناك مصنع سكر ضخم جداً لدرجة أن مدخنته كانت تُرى من ثلاث قرى.
في النهار، كانت الآلات تدوي والعمال يقطعون القصب تحت أشعة الشمس.
أما في الليل، فكان الجميع يسرعون الخطى نحو أكواخهم، لأنهم كانوا يتهامسون بأن تحت المصنع، بين أكياس السكر والمراجل الباردة، ينام شيء من الأفضل ألا يوقظه أحد.
كانوا يسمونه «الفاميليار».
لم يره أحد بالكامل قط.
أقسم البعض أنه كلب أسود، ضخم كعجل، بعينين تشتعلان كالجمر.
وقال آخرون إنه ثعبان عملاق يزحف في الأقبية.
أما كبار السن فكانوا يخفضون أصواتهم ويقولون إنه كلا الأمرين معاً، وإن صاحب المصنع يربطه بسلسلة هناك في الأسفل، في الظلام.
— ولماذا يحتفظ به يا سيد أوزيبيو؟ — سأل فاكوندو، وهو صبي كان يصب مشروب المتة التقليدي في كوخ جده.
— يقولون إن صاحب المصنع عقد صفقة — أجاب العجوز دون أن يرفع عينيه عن النار
— ألا ينقص المصنع أبداً السكر ولا المال.. وفي المقابل... في المقابل يطلب «الفاميليار» حصته.
— وما هي حصته؟
لم يجب السيد أوزيبيو.
بل حرك الجمر وظل يحدق في الليل.
كان فاكوندو يعرف الإجابة، حتى لو لم يقلها أحد بصريح العبارة.
بين الحين والآخر، كان أحد العمال يدخل في نوبة العمل الليلية ولا يعود أبداً.
كان يُقال إنه رحل إلى قرية أخرى، أو أنه عبر الأحراش بحثاً عن عمل.
لكن الأمهات كن يبكين بصمت، وفي المصنع لم يكن أحد يسأل بصوت عالٍ.
لاحظ فاكوندو شيئاً غريباً.
لم يكن «الفاميليار» يأخذ أي شخص عشوائياً.
بل كان يأخذ من يسير وحده.
العامل الصامت الذي يأكل منعزلاً، أو الذي ينام بعيداً عن الآخرين، أو الذي يبقى وقتاً إضافياً لتنظيف المراجل بعد انصراف الجميع.
الشخص الذي لن يفتقده أحد حتى اليوم التالي.
— اعتنِ بنفسك يا بني — كان جده يقول له —.. الأحراش تبتلع من يسير وحده.. اذهب دائماً برفقة غيرك.. وإذا رأيت أحداً منبوذاً، فلا تتركه أنت أيضاً.
وذات يوم، وصل إلى المصنع شاب جديد يُدعى رامون، نحيل ويميل إلى العزلة، لا يتحدث مع أحد.
جاء من مكان بعيد، ولم تكن له عائلة هناك، وكان يجلس ليأكل وحده، وعيناه مثبتتان على الأرض.
كان العمال الآخرون ينظرون إليه بطرف خفية ويمضون في طريقهم.
تذكر فاكوندو ما قاله جده.
وفي أحد الأيام، أخذ طبقه وذهب ليجلس بجوار رامون.
— هل تسمح لي؟ — سأله.
هز رامون كتفيه.
ولكن بعد قليل، كانا يتحدثان عن الخيول، وضحك رامون لأول مرة، وأخبره أنه يجيد العزف على الغيتار.
في تلك الليلة، حان دور رامون في نوبة المراجل.
عندما صرخ رئيس العمال بأسماء القائمة وانصرف الجميع نحو أكواخهم، رأى فاكوندو أن رامون بقي وحده في المستودع الضخم، مع مصباح واحد يرتجف ضوؤه.
وحينها، من أعماق الأسفل، سُمع الصوت.
صوت سلاسل. بطيء، ثقيل، يزحف عبر أحشاء المصنع.
ورائحة كبريت تتصاعد من الأرضية وتجعل الأبدان تقشعر.
تحول ضوء المصباح إلى اللون الأصفر، ثم كاد يصبح أزرق.
تسمر رامون في مكانه، شاحباً كالجير.
قفز قلب فاكوندو إلى حنجرته.
كان بإمكانه أن يهرب راكضاً.
لن يلومه أحد.
ولن يعرف أحد أبداً أنه كان هناك.
لكنه تذكر جده. «لا تتركه وحده.»
— رامون! — صرخ، وركض عبر المستودع —.. تعال، أعطني يدك، لا تبقَ هناك!
نظر إليه رامون كمن يستيقظ من كابوس مزعج.
أمسك فاكوندو بذراعه وسحبه بكل قوته.
خرجا معاً إلى الساحة، إلى هواء الليل النقي، وهناك بدأ فاكوندو يصرخ بكل ما أوتي من قوة:
— مهلاً! اخرجوا جميعاً! لا تتركوا أحداً وحده الليلة!
وحدث شيء لم يتوقعه أحد.
واحداً تلو الآخر، بدأ العمال يخرجون من أكواخهم حاملين مصابيحهم المضاءة.
الجد، الأمهات، الشباب، والشيوخ. تجمعوا في ساحة المصنع، متراصين جنباً إلى جنب، وكل الأضواء ترتجف معاً، حتى شكلت نوراً واحداً كبيراً وسط الظلام.
في الأسفل، في الأعماق، تحركت السلاسل مرة أخرى.
ثم سكنت تماماً.
يقولون إن «الفاميليار» لا يملك قوة إلا على من يكون وحده.
وإنه يتغذى على من يُترك في الخارج، على من لم يبحث عنه أحد، وعلى من ظنوا أنه لا يهم.
لكن أمام حلقة من الناس الذين يعتنون ببعضهم البعض، وأمام كل تلك الأضواء المجتمعة، لا يستطيع فعل شيء.
يعود إلى القبو، جائعاً، لينتظر الغفلة التالية.
في تلك الليلة لم تكن هناك أي غفلة.
ولا في الليلة التي تلتها.
اتفق العمال فيما بينهم: لا أحد يعمل وحده، لا أحد يأكل منعزلاً، ولا أحد يعود إلى منزله دون رفقة.
ويُحكى أنهم، شيئاً فشيئاً، بدأوا يتحدثون بصوت عالٍ عما هو خطأ، ويطالبون بحقوقهم العادلة، كلهم معاً، لأنهم معاً لم يعودوا خائفين.
وصاحب المصنع الذي يضطر لمواجهتهم جميعاً، لم يعد لديه أي «فاميليار» لينقذه.
لا يكاد أحد يتذكر تلك الصفقة القديمة.
لكن في حقول قصب السكر بالشمال، عندما يحل المساء وتكتسي الأحراش باللون الأزرق، لا يزال الأجداد يقولون للأطفال، وهم يصبون آخر كأس من المتة:
— «الفاميليار» يأخذ من يسير وحده.
لذا، أنت تعرف الآن: لا تترك أحداً في الخارج.
اذهب دائماً مع أهلك، واعتنِ بمن تراه وحيداً.
هناك، وليس في أي مكان آخر، تكمن كل القوة.
العِــــــــــبرة :
يُعَلِّمُنا يَسُوعُ المَسِيحُ أَنْ نُحِبَّ القريبَ، وألّا نَتْرُكَ أَحَدًا يُواجِهُ وَحْدَهُ الخَوْفَ أو الحُزْنَ أو الظُّلمَ.
فالمحبّةُ الحقيقيّةُ لا تَكْتَفي بالكلام، بل تَظْهَرُ في أفعالِنا، حين نَقْتَرِبُ مِنَ المُهمَلِ، ونُسانِدُ الضَّعيفَ، ونَقِفُ إلى جانبِ مَن لا يَجِدُ مَن يَقِفُ معه.
وكما رَفَضَ فاكوندو أن يَتْرُكَ رامون وحيدًا، دَعانا المسيحُ إلى أن نكونَ إخوةً لبعضِنا البعض، نَحْمِلُ أثقالَ بعضِنا، ونَتَضامَنُ في وَجْهِ الخَوْفِ والظُّلمِ؛ لأنَّ ما يَضْعُفُ أمامَهُ الإنسانُ وَحْدَهُ، قد نَتَجاوَزُهُ معًا بالمحبّةِ والشجاعةِ والإيمان.
وتُذَكِّرُنا هذه القِصَّةُ بكلماتِ الكتابِ المقدَّس :
«اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهٰكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ» (غلاطية ٦: ٢).
فالعِبْرَةُ هي : لا تَكُنْ سببًا في وَحْدَةِ أحدٍ، بل كُنْ له أخًا وسَنَدًا.
فحين نَجْتَمِعُ بالمحبّةِ، ونَدافِعُ عن الحقِّ، ونَرْفُضُ أن نَتْرُكَ الضَّعيفَ وحيدًا، نَجْعَلُ مِنْ إيمانِنا شهادةً حيّةً للمسيح، ونُدْرِكُ أنَّ قوّتَنا الحقيقيّةَ ليست في أن نَحْمِيَ أنفسَنا فقط، بل في ألّا نَتْرُكَ أحدًا خلفَنا.
فريق عمل خدّام الربّ ®