قصَّة طريفة ومبهجة عن الساحرة "غرونيلا" التي تخلط بالخطأ بين نظارتها ونظارة جنية طيبة، فتتحول خططها الشريرة إلى مفاجآت سحرية مليئة بالفرح والألوان.
حكاية دافئة للأطفال تعلمنا أن الأخطاء قد تكون بداية لأجمل المغامرات.
تفاصيل القصَّة :
في كوخٍ خشبيٍ متهالكٍ عند طرف مستنقعٍ مظلم، عاشت غرونيلا، وهي ساحرة شريرة الطباع، لكن نظرها كان ضعيفاً لدرجة أنها لم تكن تميز بين قطها الأسود والقدر السحري الكبير.
في ظهيرة أحد الأيام، قررت غرونيلا الخروج للاستمتاع بوقتها في "مقهى التنين النعسان"، حيث يقدمون أفضل كوبٍ من شاي الأعشاب اللاذعة في القرية.
وبينما كانت ترتشف الشاي بصوتٍ مسموع، وضعت نظارتها السميكة على الطاولة وسرحت بخيالها.
وعندما همت بالمغادرة، التقطت غرونيلا دون قصد نظارة شخصٍ آخر كان يجلس بجوارها ويشرب منقوع الزهور العطر.
ما إن وصلت إلى المنزل حتى وضعت غرونيلا النظارة على عينيها وبدأت في تحضير "جرعة الضفادع" الرهيبة، والتي كانت تنوي بها تحويل جميع أطفال المدرسة إلى ضفادع خضراء.
ولكن، مع تلك النظارة الغريبة، بدا كتاب التعاويذ مختلفاً تماماً: كانت الصفحات ملونة، والكلمات براقة، والرسومات جميلة بشكلٍ لا يطاق.
تمتمت غرونيلا بتذمر: "يجب أن أذهب غداً إلى متجر البصريات لشراء نظارة جديدة، فهذه تجعل العالم يبدو لطيفاً جداً! ولكن أولاً، سأنفذ خطتي الشريرة في المدرسة، سيكون الأمر ممتعاً!".
بدأت بإلقاء المكونات في القدر، لكن شيئاً ما لم يكن طبيعياً. فبدلاً من اللون الأخضر الموحل المعتاد، اكتست الجرعة لوناً أزرق لامعاً، وفاحت منها رائحة شهية تشبه نسيم البحر في الصيف وألوان قوس قزح المشرقة.
همست بشك : "يا له من أمرٍ غريب!".
في صباح اليوم التالي، سكبت غرونيلا الجرعة في قارورة زجاجية، ولم تلاحظ أنها كانت تقطر فرحاً، تاركةً خلفها درباً من الزهور الصغيرة التي كانت تتفتح مع كل خطوة تخطوها.
وضعت القارورة في حقيبتها السوداء المليئة بالشرور، وطارت بمكنستها نحو المدرسة.
هبطت في الفناء الخلفي للمدرسة وانتظرت حتى دخلت الطاهية إلى المخزن، ثم تسللت إلى المطبخ.
فتحت حقيبتها، ولدهشتها الشديدة، انطلق منها سرب من طيور الطنان الملونة ترفرف بجناحيها.
وهي تشعر بالدوار والارتباك، سارعت بسكب محتوى القارورة في وعاء الحساء الكبير الذي يغلي على النار، ثم ركضت لتختبئ خلف شجيرة قريبة.
دقت جرس الفسحة، وانتظرت غرونيلا بلهفة لرؤية الأطفال وهم يتحولون إلى ضفادع.
لكن ما رأته كان شيئاً مختلفاً تماماً: أشعة من البريق تتطاير، وضحكات سعيدة تعلو، وأغاني مبهجة تنساب من النوافذ. اقتربت وهي تشعر بالحيرة، وألصقت أنفها المدبب بزجاج النافذة، لترى قاعة الطعام وقد تحولت إلى حفلة كبيرة مليئة بالضحك والألوان!
فجأة، شعرت بيدٍ تربت برفق على كتفها. استدارت فزعة، لتجد الجنية الطيبة تقف هناك، تبتسم لها بعذوبة وتمد يدها بنظارة غرونيلا الحقيقية.
قالت الجنية بصوتٍ هادئ :
— أعتقد أننا تبادلنا النظارات بالخطأ يوم أمس يا عزيزتي غرونيلا.
بزمجرة خافتة، استعادت غرونيلا نظارتها بضيق، وركبت مكنستها مبتعدة وهي تطلق ضحكة شريرة، متوعدة بتكرار وصفتها السحرية قريباً.
ظلت الجنية الطيبة تبتسم وهي تراقبها تبتعد، لأن ما لم تكن غرونيلا تعرفه هو أن الجنية الذكية قد ألقت تعويذة سحرية على نظارة الساحرة الأصلية أيضاً.
والآن، مهما حاولت غرونيلا، فإنها لن تتمكن إلا من صنع السحر الطيب.
ومنذ ذلك الحين، ودون أن تفهم السبب تماماً، انتهى الأمر بغرونيلا وهي تملأ القرية بالزهور والابتسامات في كل مرة تحاول فيها القيام بمقلب شرير. ورغم أنها كانت تتظاهر بالغضب، إلا أنها في أعماق قلبها، بدأت تحب هذا السحر الجديد المليء بالبهجة والضياء.
العبرة :
تُعَلِّمُنا قِصَّةُ غَرُونِيلَّا أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ هُوَ النِّهَايَةَ، وَأَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ أَخْطَاءَنَا إِلَى فُرَصٍ لِنَفْعَلَ الْخَيْرَ.
فَقَدْ ظَنَّتْ غَرُونِيلَّا أَنَّهَا تُحَضِّرُ سِحْرًا شِرِّيرًا، لَكِنَّ النَّتِيجَةَ كَانَتْ فَرَحًا وَابْتِسَامَاتٍ وَزُهُورًا وَمَحَبَّةً. وَهَكَذَا يَعْمَلُ اللهُ فِي حَيَاتِنَا أَحْيَانًا: يَأْخُذُ مَا نَظُنُّهُ فَشَلًا أَوْ خَطَأً، وَيَفْتَحُ مِنْهُ بَابًا لِخَيْرٍ لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهُ.
وَتُذَكِّرُنَا الْجَنِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ بِأَنَّ مُوَاجَهَةَ الشَّرِّ لَا تَكُونُ دَائِمًا بِالشَّرِّ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ نُغَيِّرَ قَلْبَ الْآخَرِ بِالْمَحَبَّةِ وَاللُّطْفِ وَالْغُفْرَانِ.
فَكَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ الْقِدِّيسُ بُولُس :
«لَا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ»
(رُومِيَةَ ١٢: ٢١).
لِذَلِكَ، لِنَتَعَلَّمْ أَلَّا نَسْتَخِفَّ بِأَيِّ عَمَلٍ صَغِيرٍ مِنَ الْخَيْرِ فَابْتِسَامَةٌ، وَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمُسَاعَدَةٌ بَسِيطَةٌ، قَدْ تَكُونُ بِدَايَةَ تَغْيِيرٍ كَبِيرٍ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ آخَر.
فَالْمَحَبَّةُ الَّتِي يَضَعُهَا اللهُ فِي قُلُوبِنَا قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُحَوِّلَ الْغَضَبَ إِلَى فَرَحٍ، وَالْقَسْوَةَ إِلَى حَنَانٍ، وَالْخَطَأَ إِلَى بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ.
فريق عمل خدّام الربّ ®