في كل يوم، يحتفل ملايين الأشخاص بأعياد ميلادهم ويتمنون أمنيات مختلفة.
ولكن، في بعض الأحيان، يجد العالم طرقاً غير متوقعة لتتلاقى فيها هذه الأمنيات.
تفاصيل القصَّة :
في كل يوم، يحتفل حوالي اثنين وعشرين مليوناً وسبعمائة ألف شخص على وجه الأرض بأعياد ميلادهم، وهذا يعني عدداً هائلاً من الأشخاص الذين يفكرون فيما سيتمنونه قبل أن ينفخوا شموعهم بلحظات.
بالطبع، لا يتمنى الجميع نفس الشيء.
فهناك من يتمنى المال ومن يتمنى الوقت؛ ومن يريد العثور على عمل ومن يحلم بأن يتمكن من ترك عمله؛ ومن يتمنى هطول المطر بعد أشهر من الجفاف ومن يتوسل أن يتوقف المطر أخيراً.
البعض يتمنى الحب، والبعض الآخر يتمنى النوم لثماني ساعات متواصلة، وكثيرون، كثيرون جداً، يتمنون ببساطة أن يكون أحباؤهم بخير.
وهناك أيضاً من يتمنى أن يجد ما يكفي لعشاء تلك الليلة، أو أن يعود شخص عزيز إلى المنزل، أو أن يتمكنوا، ولو لمرة واحدة، من النوم دون خوف.
في نهاية المطاف، العالم بارع جداً في تمني أشياء متعارضة، وربما لهذا السبب لم يحدث أي شيء غريب من قبل.
ما لا يعرفه أحد هو أن الأمنيات لا تختفي بمجرد التفكير فيها.
بل تترك أثراً ضئيلاً في مكان ما حول الأرض، في نوع من الطبقة الخفية التي ليست مادة بالضبط، ولا طاقة، ولا سحراً، رغم أنها تشبه الأشياء الثلاثة قليلاً.
في العادة، كان هذا النظام يعمل دون مشاكل.
ملايين الأمنيات المختلفة تدخل، تتقاطع، تتناقض، وتنتهي بالتلاشي حين تصطدم ببعضها البعض، مثل أصوات كثيرة في غرفة مليئة بالناس.
ومع ذلك، كانت هناك ميزة خاصة لم يكتشفها أحد: عندما يتمنى شخصان نفس الشيء بالضبط، فإن أمنيتيهما لا تختلطان، بل تعززان بعضهما البعض.
طوال تاريخ البشرية، لم يكن لهذا الأمر أي أهمية تذكر.
حتى ذلك اليوم.
في الساعة الخامسة مساءً في «كيريتيماتي»، وهي جزيرة صغيرة في «كيريباتي» تقع تقريباً على حافة التقويم الزمني، أغمضت امرأة كانت تحتفل بعيد ميلادها السابع والثلاثين عينيها أمام كعكة بدأت تميل بشكل خطير بسبب حرارة الجو.
كانت قد مرت بعام صعب وكان بإمكانها أن تتمنى أشياء كثيرة لنفسها، ولكن، قبل أن تنفخ الشموع مباشرة، فكرت:
«أتمنى أن يحدث شيء جميل لكل الناس في العالم اليوم».
نفخت الشمعة.
وهناك شيء ما، في مكان عالٍ جداً فوق رأسها، اهتز.
بعد ذلك، واصلت الساعة الخامسة مساءً تقدمها عبر الكوكب ووصلت إلى جزر أخرى في المحيط الهادئ، ثم نيوزيلندا، وأستراليا، وشيئاً فشيئاً، إلى آسيا.
احتفل رجل بعيد ميلاده مع زملائه في العمل وتمنى نفس الشيء بالضبط.
فكرت مراهقة في الأمنية ذاتها أمام شمعة وحيدة مغروسة في قطعة حلوى صغيرة.
امرأة بلغت السبعين من عمرها تمنت الشيء نفسه وهي محاطة بجميع أفراد عائلتها، ورجل آخر، كان يحتفل بعيد ميلاده وحيداً تماماً، تمنى ذلك أيضاً.
«أتمنى أن يحدث شيء جميل لكل الناس في العالم اليوم».
بدأت الأمنيات تتراكم.
عندما وصل المساء إلى الهند، كانت قد بلغت الملايين.
وبحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، بدأت الطبقة الخفية التي تحيط بالأرض تشتد وتتوتر بطريقة لم تشهدها من قبل.
لم يكن بإمكان أحد رؤيتها، بالطبع، لكنها كانت مليئة بنفس الأمنية التي تكررت مراراً وتكراراً من قبل أشخاص لا يعرفون بعضهم البعض، يتحدثون لغات مختلفة، وفي كثير من الحالات، لم يكونوا ليعرفوا كيف يشيرون على الخريطة إلى البلدان التي يعيش فيها الآخرون.
في «مدريد»، تمنت طفلة نفس الأمنية قبل أن تأكل قطعة الكعك التي ظلت تراقبها لنصف ساعة.
وفي «باريس»، فكر فيها رجل لم يحتفل بعيد ميلاده منذ سنوات.
وفي «لندن»، تمنتها امرأة بينما كانت تطفئ شمعة وضعها زملاؤها فوق شطيرة لأنه لم يقم أحد بشراء كعكة.
دائماً نفس الكلمات.
أتمنى أن يحدث شيء جميل لكل الناس في العالم اليوم.
عندما عبرت الساعة الخامسة مساءً المحيط الأطلسي، لم يعد هناك مساحة كافية.
تزاحمت الأمنيات المتطابقة مع بعضها البعض حتى شكلت شيئاً يشبه عاصفة صامتة ضخمة. لم يكن يفصلها الكثير عن الوصول إلى حد لم يضطر الكون حتى ذلك الحين إلى وضعه.
أضافت أمريكا الجنوبية عدة ملايين أخرى.
ثم جاءت أمريكا الشمالية والمكسيك ومنطقة البحر الكاريبي.
إنتفخ التراكم أكثر قليلاً.
وأكثر قليلاً.
حتى وصلت الساعة الخامسة مساءً إلى «هونولولو».
هناك، خرج رجل أتم عامه الرابع والخمسين للتو من عمله للحظة ليأكل كعكة صغيرة أهداها له زملاؤه.
كانت عليها شمعة مائلة، ولم يكن هناك أي طبق، وبالكاد كان لديه عشر دقائق قبل أن يعود إلى الداخل.
أغمض عينيه.
فكر فيما سيتمنى.
وتمنى :
«أتمنى أن يحدث شيء جميل لكل الناس في العالم اليوم».
كانت تلك أمنية واحدة إضافية.
فإنكسرت الطبقة الخفية.
لم يكن هناك برق، ولا انفجارات، ولا شق يمزق السماء، لأن الكون عادة ما ينجز أشياءه الأكثر أهمية باستعراض أقل بكثير مما قد يتوقعه المرء.
ببساطة، كل تلك الأمنيات المتراكمة أُفرغت دفعة واحدة على الأرض.
وتحققت.
لم تختفِ الأمراض، ولم تُحل فجأة كل مشاكل الكوكب، لأنه لم يطلب أحد شيئاً كهذا.
كانت الأمنية أصغر بكثير، واكتفت القوة الغريبة التي تحررت للتو بطاعتها بدقة متناهية.
حدث شيء جميل لكل الناس في العالم.
تلقى شخص المكالمة التي كان ينتظرها منذ أسابيع؛ ووجد آخر مفاتيح كان يعتقد أنها ضاعت إلى الأبد.
أحدهم سمع كلمة «موافق»، وآخر قيل له «سامحني»، وشخص طال غيابه عن سماع كلمات معينة تلقى رسالة تبدأ بـ «لقد تذكرتك».
كانت هناك آلام منحت أصحابها هدنة، وحافلات انتظرت بضع ثوانٍ إضافية، وكلاب ضالة وجدت طريق العودة، ومقابلات عمل سارت على ما يرام، وعواصف غيرت مسارها، وأمطار هطلت في الأماكن التي كانت في أمس الحاجة إليها.
كانت هناك أيضاً ملايين الأشياء الصغيرة جداً التي لم يكن أحد ليفكر في تسميتها معجزات: محادثة ممتعة بشكل غير متوقع، ضحكة من القلب في اللحظة المناسبة، باب أمسكه شخص لآخر، أغنية بدأت تُعزف في اللحظة التي كان يشتهي فيها أحدهم سماعها.
بالنسبة لبعض الأشخاص، استمر ذلك الشيء الجميل لبضع ثوانٍ فقط.
وبالنسبة لآخرين، فقد غيّر كل ما جاء بعده.
لم تروِ أي صحيفة ما حدث لأن أحداً لم يدرك أنه كان يحدث.
لم يقارن أحد ضربات الحظ الصغيرة لثمانية مليارات شخص، ولم يكن هناك عالم قادر على اكتشاف أن، لبضع ساعات، كمية الفرح المتراكمة على الأرض قد وصلت إلى أعلى قيمة لها في التاريخ.
لهذا السبب، لا أحد يعلم أن ذلك كان أسعد يوم عاشه كوكبنا على الإطلاق.
في اليوم التالي، عاد حوالي إثنين وعشرين مليوناً وسبعمائة ألف شخص للإحتفال بأعياد ميلادهم، وتمنوا المال، والحب، والسفر، والصحة، والعطلات، والكلاب، والمنازل، والدرجات العالية، والمديرين الأفضل، وأمنية هنا أو هناك كان من الأفضل ألا تتحقق.
عاد كل شيء إلى طبيعته.
ولم يعلم أحد أبداً أن، لبضع ساعات قصيرة، تمنى ملايين الأشخاص المنتشرين في جميع أنحاء العالم نفس الشيء بالضبط.
ولا أنَّ العالم بأسره، لمرة واحدة، قد اتفق دون أن يتفق.
العبرة :
لَيْسَتْ أَجْمَلُ الأُمْنِيَاتِ تِلْكَ الَّتِي نَطْلُبُ فِيهَا شَيْئًا لِأَنْفُسِنَا، بَلْ تِلْكَ الَّتِي نَحْمِلُ فِيهَا خَيْرَ الآخَرِينَ فِي قُلُوبِنَا.
فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَمْ تَقُلِ الْمَرْأَةُ :
«أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ أَغْنَى، أَوْ أَسْعَدَ، أَوْ أَكْثَرَ نَجَاحًا»
بَلْ قَالَتْ:
«أَتَمَنَّى أَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ جَمِيلٌ لِكُلِّ النَّاسِ فِي الْعَالَمِ الْيَوْمَ.»
وَهُنَا نَكْتَشِفُ مَعْنًى عَمِيقًا مِنْ رُوحِ الإِنْجِيلِ :
أَنَّ الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَنَا، بَلْ تَتَّسِعُ لِتَصِلَ إِلَى «نَحْنُ».
يَقُولُ الرَّبُّ يَسُوعُ :
«أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا.»
(يُوحَنَّا ١٣: ٣٤)
وَالْمَسِيحِيُّ لَا يَتَمَنَّى الْخَيْرَ لِمَنْ يُحِبُّهُ فَقَطْ، بَلْ يَتَعَلَّمُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى مِنْ أَجْلِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُمْ، وَمِنْ أَجْلِ مَنْ يَحْتَاجُونَ إِلَى لَمْسَةٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أَوْ كَلِمَةِ تَشْجِيعٍ، أَوْ بَابٍ يُفْتَحُ أَمَامَهُمْ.
فِي الْحَيَاةِ، قَدْ نَشْعُرُ أَنَّ صَلَاتَنَا صَغِيرَةٌ، وَأَنَّ كَلِمَاتِنَا لَا تُغَيِّرُ شَيْئًا.
وَلَكِنَّ اللهَ يَرَى الْقَلْبَ، وَيَرَى الْمَحَبَّةَ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
رُبَّمَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُغَيِّرَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَلَكِنْنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ سَبَبًا فِي شَيْءٍ جَمِيلٍ فِي حَيَاةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ.
رُبَّمَا بِصَلَاةٍ مِنْ قَلْبِنَا.
رُبَّمَا بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
رُبَّمَا بِمُسَامَحَةٍ.
رُبَّمَا بِمُسَاعَدَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يَعْلَمُ بِهَا سِوَى اللهِ.
وَرُبَّمَا بِأَنْ نَقُولَ فِي صَمْتِنَا :
«يَا رَبِّ، لَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ شَيْئًا لِنَفْسِي، بَلْ أَطْلُبُ أَنْ تَلْمَسَ قَلْبَ إِنْسَانٍ مُتْعَبٍ، وَتُعَزِّيَ حَزِينًا، وَتُقَوِّيَ ضَعِيفًا، وَتَرُدَّ فَرَحًا إِلَى قَلْبٍ فَقَدَهُ.»
فَالْعَالَمُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الأَنَانِيَّةِ، بَلْ إِلَى قُلُوبٍ تُصَلِّي وَتُحِبُّ وَتَخْدُمُ.
وَأَجْمَلُ أُمْنِيَةٍ يُمْكِنُ أَنْ نَحْمِلَهَا فِي قُلُوبِنَا هِيَ أَنْ نَكُونَ، مَعَ الْمَسِيحِ، سَبَبَ خَيْرٍ فِي حَيَاةِ الآخَرِينَ.
فَرُبَّمَا لَا يَتَّفِقُ الْبَشَرُ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنْهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَلْتَقُوا فِي الْمَحَبَّةِ.
وَعِنْدَمَا يَصِيرُ قَلْبُكَ مُتَّجِهًا إِلَى خَيْرِ الآخَرِينَ، تَكُونُ قَدْ بَدَأْتَ تَعِيشُ قَلْبَ الْمَسِيحِ.
صَلَاة قَصِيرَة :
يَا يَسُوعُ، عَلِّمْنِي أَنْ لَا أَفَكِّرَ فِي نَفْسِي فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَحْمِلَ الآخَرِينَ فِي صَلَاتِي.
إجْعَلْنِي سَبَبَ فَرَحٍ لِحَزِينٍ، وَرَاحَةٍ لِمُتْعَبٍ، وَرَجَاءٍ لِمَنْ يَئِسَ، وَسَلَامٍ لِمَنْ يَخَافُ.
وَإِذَا كَانَتْ لِي أُمْنِيَةٌ وَاحِدَةٌ الْيَوْمَ، فَلْتَكُنْ :
أَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ جَمِيلٌ فِي حَيَاةِ إِنْسَانٍ مَا، وَأَنْ أَكُونَ أَنَا، بِإِذْنِكَ، جُزْءًا مِنْ هَذَا الْجَمَالِ. آمــــــــــــين.
فريق عمل خدّام الربّ ®