أَمَّا الْبَارُّ، فَهُوَ لَيْسَ بَارًّا فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ بَارٌّ بِالْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ الْبِرُّ كُلُّهُ؛ فَكُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ كَامِلَةٍ هِيَ مِنَ الْعُلَى، مُنْحَدِرَةٌ مِنْ لَدُنْ أَبِي الْأَنْوَارِ.
فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا :
أَيْ بِالإِيمَانِ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ الرَّسُولُ بُولُس، وَهُوَ «الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى».
إِنَّهُ الإِيمَانُ عَيْنُهُ الَّذِي عَاشَهُ آبَاؤُنَا، إِيمَانُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ؛ وَبِهذَا الإِيمَانِ نَحْنُ أَيْضًا، فِي الْمَسِيحِ، «نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ».
إِنَّهُ إِيمَانٌ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْكَلَامِ، بَلْ يَتَجَلَّى فِي حَيَاةٍ مُكَرَّسَةٍ لِلرَّبِّ، وَفِي ثِقَةٍ لَا تَتَزَعْزَعُ أَمَامَ الصُّعُوبَاتِ، وَفِي أَمَانَةٍ تَصْمُدُ أَمَامَ التَّجَارِبِ.
وَلِذلِكَ يُذَكِّرُنَا كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ بِسَحَابَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ سَبَقُونَا فِي طَرِيقِ الإِيمَانِ، قَائِلاً :
«لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا» (عب ١٢: ١).
وَإِنِ ارْتَدَّ فَلَا تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي :
فَالِارْتِدَادُ عَنِ الإِيمَانِ وَالابْتِعَادُ عَنِ اللهِ الْحَيِّ أَمْرٌ يُحَذِّرُنَا مِنْهُ الرَّبُّ، لِأَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي يَتْرُكُ الثِّقَةَ بِاللهِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلضَّيَاعِ.
وَهذَا مَا يُحَذِّرُنَا مِنْهُ الرَّسُولُ قَائِلًا :
«اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الِارْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ» (عب ٣: ١٢).
فَالإِيمَانُ لَيْسَ مَحَطَّةً نَصِلُ إِلَيْهَا ثُمَّ نَتَوَقَّفُ، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ نَسِيرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، بِالنِّعْمَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَمَانَةِ لِلرَّبِّ.
وَقَدْ تَعْصِفُ بِنَا رِيَاحُ التَّجَارِبِ، وَقَدْ نَتْعَبُ فِي الْجِهَادِ، لَكِنَّنَا مَدْعُوُّونَ إِلَى الثَّبَاتِ، وَعَدَمِ التَّخَلِّي عَنْ الإِيمَانِ الَّذِي تَسَلَّمْنَاهُ.
لِذلِكَ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِشِدَّةٍ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِالإِيمَانِ الرَّسُولِيِّ الْمُسَلَّمِ لَنَا مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ، وَلْنَحْفَظْ وَدِيعَةَ الإِيمَانِ بِقَلْبٍ أَمِينٍ، لِأَنَّنَا لَسْنَا مَدْعُوِّينَ إِلَى التَّرَاجُعِ وَالْهَلَاكِ، بَلْ إِلَى الثَّبَاتِ وَاقْتِنَاءِ الْحَيَاةِ.
وَكَمَا يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ :
«... لَسْنَا مِنَ الِارْتِدَادِ لِلْهَلَاكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لِاقْتِنَاءِ النَّفْسِ»
(عب ١٠: ٣٩).
حَقًّا، إِنَّ الْبَارَّ بِالْمَسِيحِ يَحْيَا بِالإِيمَانِ، وَبِالإِيمَانِ يَثْبُتُ، وَبِالنِّعْمَةِ يَسْتَمِرُّ فِي الطَّرِيقِ، حَتَّى يَبْلُغَ مِلْءَ الْحَيَاةِ فِي حَضْرَةِ اللهِ.
فَلَا نَرْتَدَّ عَنِ الْمَسِيحِ، وَلَا نَسْتَبْدِلْ وَعْدَهُ بِخَوْفٍ عَابِرٍ، بَلْ لِنَعِشْ أُمَنَاءَ لِلْآخِرِ، لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ فِي الْمَسِيحِ، ثَبَتَ فِي الْحَيَاةِ. آمــــــــــــين.
/جيزل فرح طربيه/