صلاة تأمُّليَّة بمناسبة تذكار الموتى المؤمنين
بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الإِلَهِ الْوَاحِدِ. آمــــــــــــين.
يا ربِّي يسوع المسيح، يا مَنْ غَلَبْتَ الموتَ بقيامتك، وفتحتَ أمام الإنسان أبوابَ الحياة الأبدية، أقف أمامك اليوم بقلبٍ يحمل ذكريات الأحبّاء الذين سبقونا إلى الحياة الأخرى، وبروحٍ تتأمّل سرَّ الموت، لا بعين الخوف واليأس، بل بعين الإيمان الذي يستمدّ قوّته من قيامتك المجيدة.
يا ربّ، كم من وجوهٍ غابت عن أعيننا، ولكنّها ما زالت حاضرة في قلوبنا! كم من أصواتٍ اشتقنا إلى سماعها، وأيدٍ تمنّينا لو نستطيع الإمساك بها من جديد، وأحضانٍ تركت في أعماقنا فراغًا لا تملؤه كلمات البشر!
كم هو صعبٌ أن نفقد مَنْ أحببناهم، وأن نعتاد غيابهم، وأن نمرّ بالأماكن التي جمعتنا بهم فلا نجدهم! ولكنّنا نأتي إليك اليوم، لأنّنا نؤمن أنّ المحبّة الصادقة لا تنتهي عند حدود القبر، وأنّ الذين رقدوا فيك ليسوا ضائعين، بل هم بين يديك، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد.
يا يسوع، أنت الذي بكيتَ عند قبر لعازر، تعرف دموع الإنسان وألم الفراق.
أنت لا تستخفّ بحزننا، ولا تطلب منّا أن نخفي دموعنا، بل تدعونا إلى أن نضعها بين يديك، واثقين بأنّك تستطيع أن تحوّل الحزن إلى تعزية، والانتظار إلى رجاء، والموت إلى عبور نحو الحياة التي لا تزول.
يا ربّ، نرفع إليك اليوم نفوس جميع المؤمنين الذين رقدوا على رجاء القيامة.
أُذكرهم برحمتك اللامتناهية، واغفر لهم زلّاتهم وضعفاتهم، وامنحهم الراحة في مساكن النور والسلام.
إحتضنهم في محبتك، واجعلهم يشتركون في فرح ملكوتك، حيث لا يعود للفراق مكان، ولا يكون للموت سلطان.
نصلّي إليك من أجل الذين رحلوا فجأة، ومن أجل الذين عانوا الألم والمرض، ومن أجل الذين غادروا هذه الحياة في صمتٍ ووحدة، ومن أجل الذين لم يجدوا مَنْ يذكرهم أو يصلّي لأجلهم.
كُنْ أنت سندهم ورحمتهم، يا مَنْ لا ينسى أحدًا من أبنائه.
ونصلّي أيضًا من أجل العائلات التي فقدت أحبّاءها، ومن أجل الأمهات اللواتي يشتقن إلى أبنائهن، والآباء الذين يحملون في قلوبهم وجع الفراق، والأبناء الذين يفتقدون دفء والديهم، وكلّ إنسانٍ يتألّم بصمتٍ أمام ذكرى مَنْ أحبّ.
يا ربّ، لا تسمح للحزن أن يسرق منّا إيماننا، ولا للفراق أن يطفئ فينا شعلة الرجاء.
علّمنا أن نعيش أيامنا بمحبةٍ صادقة، وأن نسامح قبل فوات الأوان، وأن نزرع الخير ما دامت لنا فرصة، وأن نترك وراءنا أثرًا طيّبًا يشهد لمحبتك في حياتنا.
ذكّرنا دائمًا أنّ حياتنا على الأرض عابرة، وأنّ دعوتنا الحقيقية هي أن نكون معك إلى الأبد.
فلا تجعلنا نتعلّق بما يزول وننسى ما يدوم، بل اجعل قلوبنا مستعدّة للقائك، وأعمالنا شاهدة لإيماننا، وأرواحنا متعطّشة إلى ملكوتك.
يا يسوع، أنت قلتَ :
«أَنَا هُوَ القِيَامَةُ وَالحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي، وَإِنْ مَاتَ، فَسَيَحْيَا» (يوحنّا ١١: ٢٥).
ما أعظم هذا الوعد، وما أعمق هذا التعزية! إنّنا لا نضع ثقتنا في ذكرى الموتى وحدها، بل فيك أنت، يا مَنْ جعلتَ من القبر طريقًا إلى القيامة، ومن الصليب بابًا إلى المجد، ومن النهاية التي يخشاها الإنسان بدايةً لحياةٍ لا تنتهي.
وفي هذا اليوم، لا نطلب منك فقط أن تريح نفوس الراقدين، بل نطلب أيضًا أن تمنحنا نحن الأحياء نعمة الاستعداد، حتى إذا جاء يوم لقائنا بك، نجد في قلوبنا إيمانًا ثابتًا، وفي حياتنا محبّةً صادقة، وفي أرواحنا سلامًا مستمدًّا من حضورك.
يا ربّ، إجعَل لقاءنا القادم بك لقاءً لا يعقبه فراق، واجمعنا مع جميع أحبّائنا في ملكوتك، حيث نفرح بك إلى الأبد.
لك المجد يا ربّ الحياة، لأنّ الموت ليس أقوى من محبتك، والقبر ليس أوسع من رحمتك، والظلام ليس أقوى من قيامتك. آمــــــــــــين. آمــــــــــــين.
تأمُّل ختامي :
الموت لا يمحو المحبّة، والغياب لا يلغي الارتباط، والقبر لا يستطيع أن يحبس وعد الله.
نحن لا نقول وداعًا أخيرًا، بل نضع أحبّاءنا بين يدي المسيح، منتظرين اليوم الذي تتحوّل فيه دموع الفراق إلى فرح اللقاء، وحينها لن يكون هناك موتٌ بعد، بل حياةٌ أبدية في حضرة الله.
فريق عمل خدّام الربّ ®