"أنا بائعة الخبز"


22 Jul
22Jul
إعلان خاص

كان أستاذ يُدَرِّس فى مدرسة للبنات فى الصف الثالث الإبتدائي ، وفي كل يوم كان يرى خارج الصف بجانب الشباك بنت مسكينة وجميلة تكسوها البراءة وتبيع الخبز لأمها في الصباح، وقد بلغت سن المدرسة لكنها لم تدخلها بسبب الوضع المادّي لأسرتها، فلديها أربعة أخوه صغار ووالدهم متوفي وهي تسهم مع أمها فى مصاريف معيشتهم ببيع الخبز عند المدرسة، فساعدت إخوتها بأن يدخلوا المدرسة ويكملوا تعليمهم .. وفي يوم من الأيام كان الأستاذ يشرح للطالبات درساً في الرياضيات وبائعة الخبز تتابعه من شباك الصف وهي بالخارج، ثم سأل الأستاذ في أحد الأيام الطالبات سؤالاً صعباً وخصّص له جائزة، ولم تجيبه أي طالبة، وتفاجأ ببائعة الخبز تؤشر بإصبعها من خارج الشباك وتصرخ : أستاذ أستاذ أستاذ، فأذن لها المدرّس بالإجابة .. فأجابت وكانت إجابتها صحيحة…!!

منذ ذلك اليوم راهن عليها الأستاذ، فتكفّل برعايتها وبكل ما يلزمها من مصروفات مدرسيّة على نفقته ومن راتبه ، وإتّفق مع مدير المدرسة على أن يتم تسجيلها كطالبة بالمدرسة وتشارك بالإختبارات دون دخول الصف لعدم قدرتها على تحمّل مصاريف المدرسة، وأن يجعلها تبدأ من الصف الثالث كمستمعة لـتتعلّم ولو الشيء البسيط من التعليم، وإتّفق مع جميع مدرّسي المواد الأخرى على أن تظل الفتاة تستمع من الشباك إلى كل الحصص وهي خارج الصف ، فأجمعوا على الموافقة على مغامرته وأخبر هو والدتها بذلك، وفرض المدرّس على الفتاة أن تترك بيع الخبز وتتفرّغ للتعليم ويتولّى أحد أخوتها البيع بدلاً منها ..

وكانت المفاجأة عندما ظهرت نتائج الإختبارات ، فقد كانت هي الأولى على المدرسة، وسارت على هذا النهج برعاية الأستاذ وإشرافه اليوميّ عليها إلى أن أوصلها إلى الصف الأول بالمرحلة الثانوية ..

وهنا ذهب الأستاذ للعمل بالخارج، ولم يكن هناك تلفونات في ذلك الوقت لكي يتواصل معها لمتابعة أخبارها، وقد كبر أحد إخوتها وعمل بعربة كارو لبيع الماء وبقي يصرف عليها، وإنقطعت صلتها بالأستاذ لمدة عشرون عاماً...

وبعد غياب عشرون عاماً عاد الأستاذ إلى القرية، وكان لديه زميل بالقرية التي كان يعمل فيها، وزميله هذا لديه إبن بأحد الجامعات وخصوصاً في كليّة الطب، وطلب زميله منه أن يرافقه للجامعة، وأثناء دخوله الجامعة مع صديقه مكث بعض الوقت في الكافتريا، فإذا بفتاة على قدر من الجمـال تحدّق فيه بشوق وقد تغيّرت معالم وجهها عندما رأته، وهو لم يعلم لماذا تحدّق فيه بهذا التأثر ..!؟

فسأل إبن صاحبه إن كان يعرف هذه الفتاة وأشار إليها خفية، فأجابه: نعم بالطبع إنها البروفيسور تُدَرِّس طلاب كليّة الطب دفعة السنة السادسة والأخيرة …

ثم سأل الطالب الأستاذ :

- كيف تعرفها يا عمو ..؟

- قال: لا... ولكن نظراتها لي غريبة .. وفجأة وبدون مقدّمات أتت الفتاة نحوه وإحتضنته وعانقته وهي تبكي بحرقة بصوت لفت أنظار كل من كان بالكافتيريا، وظلّت تحضنه لفترة من الزمن دون مراعاة لأي إعتبار، وظنّ الجميع أنه والدها، وأجهشت بالبكاء ونظرت إليه وقالت له :
ألا تتذكّرني يا أستاذي؟ أنا البنت التي كانت حطام إنسانة وحضرتك صنعت منها إنسانة ناجحة، أنا البنت التي حضرتك كنت السبب في إدخالها المدرسة وصرفت عليها من حر مالك حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وكل ذلك بفضل الله ثم رعايتك وإهتمامك وموقفك الإنسانيّ الفريد، أنا (بائعة الخبز) …

ثم دعته والذين معه ومجموعة من الزملاء إلى منزلها وأخبرت أمها وإخوتها بالأستاذ الإنسان الذي وقف معهم وكان سبباً في تغيير مجرى حياتهم، وألقى الأستاذ كلمة قال فيها :

[لأوّل مرّة أشعر بأنّني معلّم و ..إنسان ..]

فتحيّة لكل إنسان زرع في قلوب البشر معنى الحياة والعطاء.



#خبريّة وعبرة
/خدّام الرب/


من كتاب حياة لها معنى

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.