الآن رأتك عيناي


15 Jul
15Jul
إعلان خاص

في إحدى المدن كان يعيش مارتن الإسكافي، في بدروم ذو نافذة واحدة تطل على الشارع، وبرغم رؤيته لأرجل المارة فقط إلا أنه كان يعرفهم من أحذيتهم التي سبق أن أصلحها لهم...

وكان أمينًا في عمله، فقد كان يستعمل خامات جيدة ولا يُطالب بأجر كبير، فأحبّه الناس وإزداد ضغط العمل عليه.

كانت زوجته وأطفاله قد إنتقلوا منذ عدّة سنوات، وفي حزنه الشديد كان يعاتب الله كثيرًا...
إلى أن جاءه أحد رجال الله الأتقياء، فقال له مارتن :

"لم يعد لي رغبة في الحياة، إني أعيش بلا رجاء"..

فردّ عليه الرجل :

"إنك حزين لأنك تعيش لنفسك فقط... إقرأ في الإنجيل وأعرف ما هي إرادة الله لك".


إشترى مارتن كتابًا مقدسًا وعزم أن يقرأ فيه وعندما بدأ يقرأ وجد فيه تعزية جعلته يقرأ فيه كل يوم...

وفي إحدى الليالي التي كان يقضيها مارتن في القراءة، فتح الإنجيل على فصل في بشارة القديس لوقا الذي دعا فيه الفرّيسي الرب ليأكل عنده، ودخلت إمرأة خاطئة وسكبت طيبًا على قدميه وغسلت رجليه بدموعها وقال الرب للفريسي :

"دخلت بيتك وماء لرجلي لم تعط أما هي فقد بلّت بالدموع رجلي ومسحتهما بشعر رأسها، بزيت لم تدهن رأسي أما هي فقد غسلت بالطيب قدميّ.."


تأمّل مارتن في الكلام وقال في نفسه :

"هذا الفرّيسي يُشبهني تُرى لو جاء الرب لزيارتي هل سأتصرف مثله؟"


سند رأسه على يديه وراح في نوم عميق... وفجأة سمع صوتًا، فتنبّه من نومه ولكن لم يجد أحدًا بل رنّ صوت في أذنيه :

"مارتن ترقب، فغدًا آتى لزيارتك"

استيقظ مارتن قبل شروق الشمس مبكرًا كالعادة، وبعد أن صلّى أشعل المدفأة وطبخ شوربة ساخنة ثم لبس مريلة وجلس بجانب المدفأة ليعمل.

ولم يُنجز في عمله لأنه كان يفكر فيما حدث ليلة أمس، ونظر من النافذة لعله يرى صاحب الصوت آتيًا... فكلّما رأى حذاء غريبًا تطلع ليرى الوجه.


مرّ خادم ثم سقا ثم رجل عجوز يدعى أسطفانوس كان ينظّف الثلج من أمام نافذة مارتن...

دقّق النظر فيه ثم عاد يخيط الحذاء الذي في يده، وحينما نظر مرة أخرى من النافذة وجد أسطفانوس وقد سند يديه على الجروف وقد ظهرت على محيّاه إمارات الإجهاد الشديد...

فنادى عليه، ودعاه للدخول للراحة والإستدفاء...

فرد : "الرب يباركك".

ودخل وهو ينفض الثلج من عليه ويمسح حذاءه، وكاد يسقط فسنده مارتن وقال :

"تفضل أجلس وإشرب الشاي".


صب مارتن كوبين، أعطى واحدًا لضيفه وأخذ الآخر وسرّح بنظره تجاه النافذة، ممّا أثار فضول أسطفانوس فسأل :

"هل تنتظر أحدًا؟"

"ليلة أمس كنت أقرأ في إنجيل لوقا عن زيارة الرب يسوع الفريسي الذي لم يرحب به مثلما فعلت المرأة الخاطئة.

فكنت أفكّر إذا زارني يسوع فماذا سأفعل وكيف سأستقبله؟

وبعد أن استغرقت في النوم سمعت صوتًا يهمس في أذنى...

"انتظرنى فسوف آتيك غدًا"

تدحرجت دموع أسطفانوس فيما هو يسمع ثم نهض وقال :

"أشكرك يا مارتن فقد أنعشت روحي وجسدي"..

ثم خرج أسطفانوس وعاد مارتن للنظر من النافذة والعمل بلا تركيز...


و رأى هذه المرة سيدة تحمل طفلًا في حضنها محاولة أن تحميه من الرياح الشديدة، فأسرع مارتن خارجًا ودعاها للدخول، وفيما هي تستدفئ جهّز لها بعضا من الخبز والشوربة الساخنة وقال :

"تفضلي كُلي يا سيدتي".

و فيما هي تأكل قصّت عليه حكايتها قائلة :

"أنا زوجة عسكري بالجيش وهو ذهب في إستدعاء منذ ثماني أشهر ولم يرجع حتى الآن... وأنا بعت كل شيء، حتى آخر شال عندى رهنته أمس، لأستطيع الحصول على بعض الطعام لي ولإبني".


أخرج مارتن معطف ثقيل من عنده وقال :

"خذي هذا إنه قديم ولكن يصلح لتدفئة الطفل".

أخذته المرأة وإنفجرت دموعها داعية له :

"الرب يباركك".


إبتسم لها مارتن وحكى لها عن حلمه، فردّت :

"ولِمَ لا يحدث هذا، فليس شيء عسيرًا عند الرب".

ودعها مارتن بعد أن زوّدها ببعض المال لتستردّ شالها الذي رهنته.


عاود مارتن وحدته وعيناه لا تنظران إلى ما يفعل بل هي مُثبتة على النافذة...

ورأى إمرأة تبيع تفاحًا في سَبَت وما إن أنزلت السَبَت عن كتفها حتى إمتدّت يد ولد فقير تخطف تفاحة، إلاّ أنّها أمسكت به تضربه وتهدّده بإستدعاء الشرطة.


جرى مارتن نحو السيّدة والولد وقال :

"أرجوكِ يا أمّاه، أتركي الولد لأجل خاطر المسيح"

أما هي فقالت :

"ولكنها سرقة، لابد أن يؤدب الولد"

فرد مارتن :

"يا أمّاه، إنّ كان هذا الولد لابد أن يعاقب من أجل سرقة تفاحة، فكم يكون عقابنا نحن الذين فعلنا خطايا جسيمة هذا مقدارها".

فأجابت بخجل :

"عندك حق".


أخذ مارتن تفاحة من السبَت وأعطاها للولد وقال للسيدة إني سأدفع لك ثمن هذه التفاحة.


و في النهاية إنحنت المرأة لتلتقط السبَت فقال لها الولد الفقير :

"دعيني أحمله عنك يا أمّاه، فأنا ذاهب في طريقك.


دخل مارتن منزله وأخذ يعمل حتى كلّت عيناه... فوضع شغله جانبًا وأضاء المصباح وأخذ الإنجيل على غير العلامة التي وضعها بالأمس، وسمع صوتًا يقول :

"أتعرفنى يا مارتن؟"

- "من أنت؟"

- "أنا هو"

و في ركن الحجرة ظهرت هيئة إسطفانوس، ثم بدت له المرأة وطفلها، ثم بائعة التفاح والطفل بجانبها ممسكًا بتفاحة... ثم إختفوا..


فرح مارتن جدًا وبدأ يقرأ في الإنجيل فوجد الآيات التالية :


"كنت جوعانًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، غريبًا فآويتموني..."

ثم قرأ أيضًا :

"كل ما فعلتم بأحد هؤلاء الصغار فبي قد فعلتم".


حينئذ فهم مارتن أنّ المخلص زاره وأنّه إستقبله كما ينبغي.



#خبريّة وعبرة
/خدّام الرب/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.