07 Mar
07Mar

إنّ تعلّقنا وحبّنا للأشياء يترك في ذاكرتنا مشاعر حب لا تُنسى.

تلك المشاعر لا تنتهي بإنتهاء الحدث، وإنّما تسير معنا عبر الزمن لتستقرّ في وجداننا إلى الأبد.

فأذكر في طفولتي إقتراب العيد، وقيام أبي بشراء خروف للعيد.

كنت أقدّم له الطعام كل صباح، ألعب معه وأصادقه بل وأعطيه إسماً.

أتذكّر كيف كنّا نهرول بعد إنتهاء اليوم الدراسيّ لنصطحب هذا الخروف ونصعد به إلى الهضبة العالية خارج قريتنا، والتي كانوا يطلقون عليها رأس الجبل، كنت وأقراني نتسابق معاً في سرعة الصعود إلى تلك الهضبة، والهبوط منها، مصطحبين معنا في كل مرة الخروف، ممّا كان يُصعب المهمـــة علينا، وبخـــــاصة إذا زاد عناده أو رفضه للصعود.

أمّا الفوز بالسباق فقد كان شرفاً عظيماً لمن يناله.

وهكذا كانت تمرّ الأيام بين إنتصار وهزيمة، بين عناد وطواعية من الخروف، إلى أن يحين وقت الذبح، فيشعر هو بأنّ أجله قريب ونبكي نحن وننتحب على فراقه.

هكذا كانت بعض أيام صباي، التي إن نسيتُ بعضها فلن أنسى مطلقاً ذلك اليوم الذي فيه لم يأتني النوم، كنتُ فخوراً جداً لأنني فيه تغلبتُ على أقراني وإعتليتُ قمّة رأس الجبل فــي زمــن قيــاسي.

ولكــن اليــوم بــدون خــروف.

لذا فكّـــــرتُ أن أحتــفـــــل بإنتـــصاري وحــدي، وقرّرتُ أن أتسلّل من باب الدار، وأذهب لأعتلي قمّة الجبل كملك متوّج، شعوره بالفخر والإنتصار، لا يضاهيه أي شعور آخر.

كان ظلام الليل حالكاً، وكان إصراري يدفعني بكل قوّة للسير إلى قمّة هذا التل، كنت خائفاً ولكن نشوة الجلوس على قمة التل كانت أقوى من خوفـي، وتقدّمتُ وهاجمني الخوف ثانية، من صوت نباح غريب على أذني؛ فهو ليس نباح كلاب قريتنا الذي أعرفه جيداً.

ولـكـنّـي تـقـدّمـت أكـثـر وأكثـر حتّـى وصلــتُ، ولـمسـتُ بأصـابعـــي الصغيرة قمّة التل.

وجلستُ وسرعان ما هاجمني الخــوف ثانية، وبــدأ النباح يعلو ويقترب ويصبح أكثر وضوحاً وقوّة إلى أذني، وفي نفس الوقت رأيتُ كمــا لــو كــان هنــاك شبح في الظلام يتحرّك نحوي ويلــوّح بيده ويصرخ ولا أفهم كلماته، وأخذ يـقـتــرب مــنّــي أكــثر، وفي نفس اللحظة، يقترب صوت النباح كما لو كان هناك سباق بينهما نحوي.

فبدا الشبح كشخص يركض نحوي بسرعة مذهلة، وفي نفس اللحظة تنبّهت لنوع هذا النباح، إنه قد يكون صوت ذئب، كما كان يروي لنا أبي عن الذئب وخطفه للخراف التي في الحظيرة.

تسمّرت قدماي وبدأ الصوت القادم أيضاً أكثر وضوحاً ويصرخ:

«يا ولدي لماذا خرجتَ في الظلام؟.. لماذا تركت البيت؟.. لاتخف.. أنا قادم لك».

ولكن الفزع من إرتفاع وإقتراب صوت نباح الذئب، أذاب قلبي رعباً، ولم أستطع الحراك، وكــان القــادم الــذي يركض نحوي هو أبي، ولكن الذئب كان أسرع فإنقضّ على قدميّ الصغيرتين، وبعد ثانية واحدة هجم أبي بكلتا يديــه على الذئب ليخلّصـني مــن بين فكّيه، وكان صراع مرير؛ لقد تركني الذئب، ولكنه بدأ في صراع مع أبـــي، وجرح جسد أبي، ورأيت الـــدم نازفاً منه، وكان يصرخ بأعلى صوته :

«أهرب يا ولدي.. أهرب لحيــاتك.. فأنا بمكانك في أعلى التل».

بكيـتُ وأغمضـتُ عينـــيّ، وصـرخ أبي صرخة شديدة، صمت نباح الذئب بعدها وسمعت أنفاس أبي، وقال لي بـصـوت خافــت :
«لا تخــف يا بنيّ.. لقــد صرعتُ الذئـب.. لاتخف يا ولدي».

وهرعتُ إليه مرتمياً في حضنه أتلمّس وجهه، وكــان ملطّخاً بالدمـــاء، وقلتُ :
«آسف يا أبــي.. فأنا السبب في ذلك.. سامحني».

وكانت كلماته أقوى شيء فـي حياتــي، ربت علــى كتفــي وقــال لي :

«لاتخف يا ولدي.. فأنا فداء لك».

ثم ملأ الكون السكون من حولي، وصمت أبي ونكس رأسه، وأغمض عينيه وأسلم الروح.

وصرختُ : «سامحني يا أبي.. فأنا السبب في موتك بجهلي.. بخــروجي بعيداً عنك.. ولكن حبّك أنقذني، واليوم حبّك علّمني كيف يكون الحب بفدائك.. وموتك عني.. فسامحني».



#خبريّة وعبرة
/خدّام الربّ/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.