22 Jan
22Jan

"فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ!" (مت ١٢: ٧).



"إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ." (هو ٦: ٦).



يتفرّد القدّيس يوحنا الإنجيلي بسرد وقائع اجتراح أولى آيات ربنا وإلهنا يسوع المسيح، رب الأرباب وملك الملوك والكاهن الأعظم، عندنا في قانا الجليل على مقربة من مدينة صور في جنوبي لبنان حيث حوّل الماء إلى خمر تلبيةً لطلب أمّه مريم العذراء الفائقة القداسة :

"وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ..."


رحمة الله للبشريّة، كما محبّته، مجّانية، مطلقة وغير مشروطة طالما أن الأحياء الذين يلجأون إليه طالبين رحمته يجاهدون على الأرض.. ليمثلوا بعد الانتقال من هذه الفانية، أمام عرش عدالة الله كقاضٍ ديان يجازي كلّ إنسان بحسب أعماله !


ونحن كأبناء الكنيسة الواحدة الجامعة الرّسوليّة نؤمن بإله واحد آبٍ ضابط الكلّ، نخطئ ونتوب، نصحّح المسار متّكلين على رحمة الله التي تدعونا إلى أن نرحم بعضنا بعضنا ونغفر لبعضنا البعض ونبني بعضنا بعضاً...


إذن، الرحمة هي من جوهر الله له المجد، ومن جوهر إيماننا المسيحي.


تدعونا الرّحمة إلى الخدمة !




كيف نخدم؟


السّيّد المسيح الرّحوم يعلّمنا في إنجيله المقدّس كلّ الطرق والوسائل المقدّسة للخدمة الصحيحة، وهو الذي كان يجول يصنع خيراً، وقد تجسد ليحقّق المشروع الخلاصيّ الّذي وقّعه على الصليب بدمه الطاهر، وكأني به مُهندساً يوقّع مشروعه الهندسيّ، مُتحمّلاً مسؤوليّة تنفيذه على الأرض..


ولكي لا أستفيض وأستطرد أكثر.. وانطلاقاً من مفهوم الرّحمة التي نراها تتجلّى في السّامري الصّالح وسط الأحداث الإنجيلية، وانطلاقاً من عرس قانا الجليل المرتبط بعرس الحمل، ترتسم أمام عَينَي قلبي وفي ضميري، مساحات خضراء، نطلق على كلّ منها تسمية "حديقة الرّحمة الإلهيّة" ، وذلك في مناطق مختلفة من لبنان(والعالم؟) وتكون مخصصة للاحتفال بكلّ مناسبات الأفراح ولا سيّما الأعراس، ويتمّ تنفيذها على أراض تابعة لأوقاف الكنيسة، على أن تقدّم خدماتها لأبناء الكنيسة مجّاناً، على أن تسودها الروحانية المسيحية الحقيقية من خلال تصميمها الهندسيّ والبيئيّ بحيث تكون حدائق روحيّة بامتياز تنتشر فيها آيات الإنجيل ولا سيّما آية عرس قانا الجليل، بطرق فنية إبداعية، على أن نقرأ في أرجائها كلمات يسوع:


"افرحوا مع الفرحين" و "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا."



يحقّ لذوي الدخل المحدود وللمتعثّرين من اخوتنا أعضاء جسد يسوع السّرّيّ أن يحتفلوا بأفراحهم وخصوصاً بأعراسهم، من دون تكبّد المشقّات والمعاناة بسبب عدم توفّر الإمكانات الماليّة للاحتفال بالمناسبات الرّوحيّة كالأعراس والعمادات والمناولات الأولى وغيرها...


يطلب منّا يسوع أن "افرحوا مع الفرحين"! كيف بالزغاليط والتّصفيق والتّضامن المعنويّ معهم أم بمدّ يد العون والمساعدة المادية التي تتجلّى بتنفيذ هذا المشروع الروحي، أي حديقة الرحمة الإلهية التي يتم تجهيزها بكل ما يلزمها من بنى تحتية متطوّرة تأميناً للوظيفة التي أنشأت من أجلها؟!


وهكذا لا يتمّ الاكتفاء بال LISTE DE MARIAGE، وأذهبُ أبعد في بلورة عمل الرحمة عبر تقديم خدمات مجانية، من خلال تنظيم كل الأعراس وتأمين كلّ مستلزماتها من تحضيرات وتصوير وتأمين الملابس والمأكل والمشرب وحتّى الإقامة في فندق.. وحتى تأمين السفر للزّوجين للتّمتّع بشهر العسل، وذلك بطرق تقنيّة وفنيّة ودعائيّة يتمّ التّخطيط لها، لا مجال للخوض في تفاصيلها في هذه العجالة !


لا يسعني إلّا أن أضع هذا الاقتراح في عهدة رأس كنيستنا المارونية غبطة البطريرك بشارة الرّاعي الذي أتمنّى من نيافته أن يتلقّف هذه الفكرة الموحى بها من فوق، والشكر للرّوح القدس، فيضع حجر أساس أول حديقة أفراح حيث يشاء، في أول قطعة أرض تابعة لأوقاف بطريركيتنا المارونية، أو للأوقاف التابعة للرّهبانيات، وتكون مناسِبة لتنفيذ هذا المشروع حيث يزرع غبطته شجرة زيتون أو أرز باسمه (وفقاً للموقع وعلوّه عن سطح البحر)، وأقترح أن يرتفع في هذه الحديقة منحوتة برونزيّة تمثّل يسوع الرّحمة الإلهية، وأن يُخصّص مزار للقدّيسة فوستين رسولة الرّحمة الإلهيّة..


إنّه حلم مقدّس.. نضرع إلى الله لكي يعضدنا، مكرّسين وعلمانيّين، ويساعدنا ويلهمنا لتحقيق هذا الحلم الجميل في لبنان "وقف الله"، لبنان قانا الجليل، لبنان الذي أحبّه البابا يوحنا بولس الثاني القدّيس والذي قال فيه: "لبنان أكثر من وطن إنّه رسالة" !



أدعوكم، أنا الخاطئ، بكلّ محبّة وتواضع وإيمان، يا إخوتي في المسيح، إلى مائدة الحمل.. مائدة الحلم.. مائدة المِلح.. ونحن كما يصفنا السّيّد المسيح: مِلح العالم !


أدعوكم بخفر، لنحتفل معاً بسرّ الزّواج المقدّس، (عن قرب وعن بعد) الذي يمنحه الكاهن بما له من سلطان لكلّ عروسين يبنيان عائلة مسيحيّة على صخرة المسيح، فنشارك بفرح الأعراس التي تجمعنا ههنا على الأرض وكلّنا رجاء بالتحلّق حول المائدة الرّوحيّة التي نفرح بها أبداً في الملكوت، في الوطن السّماوي مع الثالوث الأقدس صحبة الأبرار والقدّيسين وأجواق الملائكة الأطهار !


هل يوجد مشروع كهذا الذي أقترحُه، بنعمة الله، في حضن الكنيسة الأم في أي بقعة من بقاع الأرض.. في أي دولة.. تحت أي سماء ؟!


"بالمجد والكرامة كلّلهما".. في حديقة الرّحمة الإلهيّة، في كنف الكنيسة، تحت شمس سماء لبنان، ببركة سيّد بكركي أوّلاً، والسّادة المطارنة والكهنة الموارنة !


ولأنّ رحمة الله تشمل الجميع، فيمكن لأيّ رئيس طائفة مسيحيّة في لبنان، وحتى في العالم، تنفيذ هذه الفكرة، تبشيراً بالرّحمة الإلهيّة التي نكِلُ إليها حياتنا وكنيستنا ووطننا والبشريّة جمعاء.. لمجد الله الذي يبارك حدائق الرّحمة الإلهيّة للأفراح... في لبنان وأبعد !



/سيمون حبيب صفير/



ريفون - كسروان ٢١ - ك٢ - ٢٠٢٤

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.