08 Feb
08Feb

يسوع المسيح هو "حبّةُ الحنطة" الذي مات على جبل الجلجلة فوُلدت منه الكنيسةُ، شعبُ الله الجديد.

وراحت تكبر وتنمو وتنتشر بالعدد والمؤسّسات والرسالات عبر ميتات أبنائها وبناتها، بدءًا من الرسل الاثنَي عشر وصولًا إلى اليوم، ناشرةً في العالم إنجيل المحبّة والأخوّة والسلام.

فأصبحت صورةُ "حبّة الحنطة" نهجًا لقيام كلّ عائلة ومؤسسة ودولة.

القدِّيس مارون، الناسك في العراء على تلّة من منطقة قورش، بين انطاكية وحلب، "حبّة حنطة" مات في الأرض بالتضحية والتفاني هناك سنة ٤١٠ ، فوُلدت منه الكنيسة المارونيّة، ديرًا على ضفاف العاصي أوّلًا، ثمّ كبرت ونمت وأمّت جبل لبنان من جهَّتَي العاقوره، وجبّة بشري، وراحت تنتشر على الأرض اللبنانيّة، جبلًا ووسطًا وساحلًا، من الشمال إلى الجنوب، بقيادة بطاركتها العظام، بدءًا من القدِّيس يوحنا مارون، بانين مداميك صلبة في بنيان هذا الوطن.

إنّ أوّل من كتب سيرة القدِّيس مارون كان تيودوريطس مطران قورش، الذي ارتقى إلى الدرجة الأسقفيّة بعد وفاة القدّيس مارون، لكنّه تتبّع أخباره، وتنشَّق أريج قداسته، وعاصر تلاميذه.


وكانت إطلالتُهم معه في مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ ، الذي أعلن بفم القدّيس البابا لاون الكبير أنّ يسوع المسيح ذو طبيعتَين إلهيّة وإنسانيّة متّحدتَين ومتمايزتَين في شخصه الإلهي.

ومذ ذاك الحين، والكنيسة المارونيّة، التي تكوّنت كنيسة بطريركية حوالي سنة ٦٨٦ ، هي كنيسة كاثوليكية دائمة الاتّحاد بكرسي بطرس بروما.

لا يقتصر العيد على مباهجه، بل يتعدّاه إلى معانيه ومقتضياته في حياتنا.

وأهمّها التحلّي بفضائل القدّيس مارون وروحانيّته، فنختصرها بثلاث هي: الصلاة التي كانت تُدخله في اتّحادٍ عميق مع الله، وتنقّي عقله وقلبه من كلّ ميل إلى الخطيئة والشّر، وتملأه حبًّا وعطفًا وحنانًا نحو الجميع؛ روحُ التوبة بالتقشّف التكفيري عن خطاياه وخطايا الناس؛ التجرّدُ الكامل من الذات وخيرات الدنيا. في هذه الثلاث عاش تلاميذ القديس مارون تابعين نهج "حبّة الحنطة" التي أثمرت الجماعة المارونيّة طائفةً وكنيسة وأمّة.

فتفاعلت مع مجتمعها العربي ومحيطها الإسلامي في حوار الحياة واللغة والمصير، ومع مختلف الكنائس في حياة مسكونية على أساس المحبة في الحقيقة، ومع دول الانتشار في الاغناء والولاء.

وهي في كلّ ذلك تحمل هوّيةً ورسالةً أنطاكية – سريانية وخلقيدونية كوّنتا ثقافتها التي كتبتها على أرض لبنان فأغنته، وجعلت منه وطنًا روحيًّا لموارنة العالم، على تنوّع جنسيّاتهم.


بصفتها الانطاكيّة، الكنيسة المارونيّة بطريركية فيها جسم أسقفي واحد رأسه البطريرك.

وهي كنيسة بطرسيّة، إذ في انطاكية بدأ بطرس الرسول رسالته كرأس للكنيسة الناشئة، وفيها دُعي تلاميذ المسيح لأوّل مرّة "مسيحيين"(أع 11: 26).


إنها مؤتمنة مع الكنائس الأخرى على التّراث الانطاكي وعلى الحضور المسيحي الفاعل في بلدان هذا الشَّرق.

بتراثها الليتورجي السرياني، تستمدّ روحانيّتها من القديسين الآباء السريان، امثال القديسين افرام ويعقوب السروجي.


من القدّيس مارون وديره على العاصي، أخذت كنيستُنا البطريركيّة طابعًا نسكيًّا رهبانيًّا من ناحية روحانيّتها القائمة على الشهادة للمسيح التي تجعله حاضرًا بمحبّته وخلاصه لكلّ إنسان، قاد البطاركة الموارنة هذه المسيرة المارونيّة، برسالتها الكنسيّة والوطنيّة، حتى إعلان دولة لبنان الكبير في أوّل أيلول ١٩٢٠ ، هذه هي مقتضيات عيد القدّيس مارون الكنسي والوطني.

نسأل الله بشفاعته أن يساعدنا بنعمته لنكون "حبّة الحنطة" تموت عن الذات ليحيا لبنان معافًا وقادرًا على تأدية رسالته التي تسلّمها من تضحيات الآباء والأجداد، لمجده تعالى الإله الواحد والثالوث، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمــــــــــــين.

عيد مُبارك للجميع.



/الخوري جان بيار الخوري/

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.